الجزائر | اتفق أكبر حزبين في الجزائر يمثلان تيار الإخوان المسلمين، على الاندماج بعد سنوات طويلة من الفرقة والانشقاق في صفوف الحركة الأم التي تمثل هذا التيار بعد رحيل مؤسسها محفوظ نحناح عام 2003. يأتي ذلك أيضاً عقب إعلان حزبين آخرين ينتميان أيضاً إلى التيار الإسلامي وحدتهما استعداداً لدخول الانتخابات التشريعية المنتظرة ربيع هذا العام.


ويُنتظر أن تعلن "حركة مجتمع السلم" (حمس) و"جبهة التغيير"، اندماجهما في حزب واحد الأسبوع المقبل، وذلك بعد مصادقة مجلسي الشورى لديهما على وثيقة مشروع الوحدة يومي الجمعة والسبت المقبلين، وفق ما أعلنه رئيسا الحزبين عبد الرزاق مقري، وعبد المجيد مناصرة. وسيبحث مجلسا شورى الحزبين خلال اجتماعهما، كل على حدة، وثيقة مشروع الوحدة التي ستعرض أمامهما والصيغة المناسبة لتنفيذها، على أن يكتمل المشروع تماماً بعد الانتخابات التشريعية المقبلة. وتبدو مسألة المصادقة على المشروع محسومة في ظل الحماسة الكبيرة الموجودة لدى قواعد الحزبين على إتمام الوحدة.


يتخذ الاتفاق من قاعدة المشاركة الواحدة في الانتخابات منطلقاً له

ويقضي الاتفاق بإعادة "حركة مجتمع السلم" التاريخية التي تأسست في بداية مرحلة التعددية السياسية بالجزائر (بداية التسعينيات)، وزوال "جبهة التغيير" التي انشقت عنها لاحقاً في 2007 بسبب خلافات عميقة قسمت الحركة في ذلك الوقت.
ويتخذ اتفاق الوحدة من قاعدة المشاركة الواحدة في الانتخابات التشريعية منطلقاً له، وذلك باعتماد قوائم مشتركة بين الحزبين، تسمح لهما بمضاعفة حظوظهما في المنافسة على مقاعد البرلمان المقبل، ثم سيتوسع الاتفاق مستقبلاً ليشمل انصهار الحزبين ومؤسساتهما في كيان واحد، وذلك خلال مؤتمر جامع لـ"حمس" سيكون على الأرجح في سنة 2018.
وتأتي أخبار الوحدة بين هذين الحزبين بعد مخاض كبير من المفاوضات استمر لثلاث سنوات، وبعد محاولات عديدة فاشلة أعقبت الانقسام سنة 2007 الذي وقع بسبب عدم الاتفاق على نتائج انتخابات قيادة الحركة. وكانت أبرز المساعي تلك التي قادها عبد الحميد مداود أحد رفقاء مؤسسها الراحل نحناح، وأعقبت المؤتمر الخامس لحركة مجتمع السلم سنة 2013، لكن الميثاق الموقع عليه في تلك الفترة بقي حبراً على ورق بين رئيس "حمس" السابق أبو جرة سلطاني، ورئيس "جبهة التغيير" عبد المجيد مناصرة.
وفرضت الانتخابات نفسها كأحد أهم العوامل التي سرعت في عملية الوحدة، وخاصة مع الخسارة الكبيرة التي تلقاها الحزبان في الانتخابات التشريعية لسنة 2012. ومع أن الحزبين يتهمان السلطة بتزوير الانتخابات وتسببها بخسارتهما، فإنهما اعترفا بعد ذلك بأن الانقسام كان أيضاً أحد عوامل الخسارة، بسبب انشطار الأصوات بينهما في العديد من المعاقل الرئيسية التي كانت في السابق تمد التيار الإخواني في الجزائر بالمقاعد النيابية. كما أن قانون الانتخابات الجديد الذي فرضته السلطة، لم يترك خيارات كثيرة للأحزاب المطالبة بجمع ما لا يقل عن أربعة في المئة من الأصوات مقابل الترشح.
ويحاول قياديو الحزبين تجاوز زاوية الانتخابات في النظر إلى مشروعهم. ويقول ناصر حمدادوش مسؤول المكتب الوطني في "حمس" لـ"الأخبار" إن لهذه الوحدة "أبعاداً مبدئية وقيمية، وأبعاداً استراتيجية، وأبعاداً تنظيمية ومؤسساتية، وأخرى سياسية وانتخابية"، مشيراً إلى أنها "وحدة اندماجية تنظيمية لا تتجاوز الأبعاد الشخصية أو المصلحة الحزبية أو الأغراض الانتخابية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد ومقاصد كبرى تتجاوز الأشخاص والتنظيمات والانتخابات".
ولا يمكن إغفال عوامل داخلية متعلقة بالتيار الإسلامي في الجزائر، سرّعت من عوامل الوحدة، أبرزها الضغط الكبير الذي مارسته قواعد هذا التيار على قياداتها من أجل تحقيق المشروع، وخصوصاً بعد نجاح جناح إسلامي آخر في التوحد، وهو ذلك الذي أسسه عبد الله جاب الله الذي كان أحد أهم منافسي "حركة مجتمع السلم". فقبل شهر تقريباً، وقّعت حركتا "النهضة" و"الإصلاح" اتفاقاً للوحدة بينهما بعد سنوات من الانقسام.
وتشير قراءات إلى أن الوضع الإقليمي الحالي الذي يشهد مراوحة في أحوال التيار الإسلامي في العديد من الدول العربية، ساهم بدوره في دفع التيار الإخواني في الجزائر إلى التكتل مخافة التعرض لخسارة مدوية، إذ على الرغم من المناخ الملائم في سنة 2012 مع فورة صعود العديد من الأحزاب الإسلامية في مصر وتونس والمغرب، فإن الجزائر شكلت الاستثناء بالنسبة إلى هذا التيار، وهذا ما يجعل هذه الأحزاب تتحسب أكثر للموعد الانتخابي الذي قررت المشاركة فيه هذا العام.