مع تسارع العد العكسي للموعد المفترض لعقد مباحثات أستانة السورية، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، تشير اللقاءات المكثّفة بين الجانبين الروسي والتركي إلى حرص الطرفين على انقضاء الأيام العشرة المتبقية، من دون تصعيد يهدّد بتقويض جولة المباحثات.


ورغم غياب الآلية الواضحة لمراقبة وقف إطلاق النار، فقد شهدت غالبية الجبهات السورية هدوءاً نسبياً شابته بعض الخروقات المتفرقة، باستثناء منطقة وادي بردى التي لم يكن لها أي نصيب لدخول مظلة الهدنة، سوى من باب المصالحة التي وجدت طريقها إلى النجاح في خمس بلدات من الوادي فقط، وفشلت في بلدة نبع الفيجة التي يمثّل وضعها المعضلة الأساسية.
ومع الحسم الذي يحمله قرار دمشق بعدم المماطلة في إنهاء ملف وادي بردى وسحب ورقة التهديد بالمياه من أيدي الجماعات المسلحة، إما بمصالحة أو في الميدان، والذي تجلى أمس في تقدم الجيش الأخير داخل بلدة بسيمة، تداعى الجانبان الروسي والتركي إلى عقد اجتماعين في كل من أنقرة وموسكو، لبحث حلّ لأزمة المنطقة وانقطاع المياه عن دمشق، وفق ما أوضح المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا.


توصلت روسيا وتركيا إلى
مذكّرة تضمن سلامة الطلعات الجوية في سوريا

الدافع المشترك لحماية اتفاق وقف إطلاق النار، ومن ورائه محادثات أستانة، أفضى أمس أيضاً إلى إقرار مذكّرة مشتركة بين موسكو وأنقرة، لضمان سلامة الطلعات الجوية خلال العمليات العسكرية في الأجواء السورية. وبمعزل عن الفوائد التي قد يحملها الاتفاق الأخير لكلا الطرفين، فإنه بالتأكيد يأتي لضمان الحد الأقصى من الحماية ضد أي طوارئ قد يحملها الميدان قبل انعقاد المحادثات.
ومن اللافت تزامن عقد الاجتماعات بين الجانبين مع اتصال هاتفي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، بحثا خلاله ــ وفق ما أوضح الكرملن ــ «نقاط الاتفاق الموقّع بين الحكومة والمعارضة السورية»، وشددا على ضرورة «تكثيف الجهود من أجل التحضير لمحادثات أستانة»، فيما نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر في مكتب الرئيس التركي أن الاتصال «تطرق إلى توسيع نطاق وقف إطلاق النار في أنحاء سوريا».
وفي تفاصيل الاتفاق حول سلامة الطلعات الجوية، ذكر بيان نشرته وزارة الدفاع الروسية أنها «استضافت مشاورات بين وفدي القوات المسلحة الروسية والتركية، وناقش الطرفان التعاون الثنائي في الحرب ضد (داعش) في سوريا». وأضاف أن «الوثيقة تحدد آليات التعاون بين القوات الجوفضائية الروسية والقوات الجوية التركية، في تنفيذ الضربات الجوية على المنشآت الإرهابية، وتحدد مسار الإجراءات الرامية إلى منع وقوع الحوادث المتعلقة بطلعات الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة (من دون طيار) في المجال الجوي السوري».
وفيما لم تخرج نتائج علنية عن الاجتماعين المعنيين بملف وادي بردى، كان دي ميستورا قد لفت خلال لقائه صحافيين في جنيف، أن سبب عقدهما يعود إلى واقع «أن تزويد دمشق بالمياه أمر أساسي وبالغ الأهمية، وأن أي تصعيد قد يحدث سيكون له تأثير على المباحثات في أستانة». وقال إن «المعلومات التي نملكها تفيد بأن خمس قرى في منطقة الوادي توصلت إلى اتفاق مع الحكومة، وهذا نبأ سار»، موضحاً أن «قريتين، وتحديداً حيث يقع النبع، لم تتوصلا إلى اتفاق حالياً، وهناك خطر ممكن ووشيك من أن يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري». ولفت إلى أن «مهندسين سوريين يساعدهم فنيون من الأمم المتحدة مستعدون حالياً للتدخل»، غير أنهم «يحتاجون إلى حد أدنى من الأمان»، مضيفاً أنهم «حاولوا مرتين» التوجه إلى المكان، ولكن «الفصائل المسلحة منعتهم». ولفت إلى أن روسيا وتركيا «تتقدمان في الاتجاه الصحيح» في جهودهما الثنائية لتسوية الأزمة السورية، مضيفاً أن «الأمم المتحدة مستعدة لدعم اجتماع أستانة والإسهام في نجاحه، ونحن تلقينا تأكيداً بأنه ستتم دعوتنا للمشاركة في المفاوضات».
كذلك، رأى دي ميستورا أن «وقف الأعمال القتالية صامد إلى حدّ كبير»، معرباً عن أسفه لأن «الفصائل المسلحة تحتجز (في بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب) 23 حافلة وسائقيها السوريين، كانت قد أرسلت لإجلاء مدنيين من المدينة»، ومطالباً الفصائل بالسماح بخروجهم من البلدتين.
من جهة أخرى، نقلت وكالة «تاس» عن مصدر ديبلوماسي روسي قوله إن نائب وزير الخارجية، غينادي غاتيلوف، سيلتقي دي ميستورا في جنيف في السادس عشر من كانون الثاني الجاري، لإجراء مشاورات بشأن سوريا، من دون إعطاء تفاصيل حول محتواها. إلى ذلك، ذكر المكتب الصحافي للكرملن أن الرئيس بوتين ناقش في اتصال هاتفي مع نظيره الكازاخي نور سلطان نزارباييف التحضيرات الجارية للاجتماع المرتقب عقده في أستانة.
بدورها، أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية تحديد 23 كانون الثاني موعداً لانطلاق المباحثات، مشيرة خلال مؤتمر صحافي إلى أن «أحداً لم يطرح موعداً بديلاً لهذه المفاوضات حتى الآن». وأعربت عن أمل بلادها في أن «يصبح اللقاء معلماً جديداً على طريق السلام، ويعطي دفعة قوية للعمل البناء لاستئناف العملية السياسية في جنيف، في 8 شباط المقبل، تحت رعاية الأمم المتحدة. ونفت زاخاروفا علمها بـ«لقاء محتمل للمعارضة السورية في موسكو يومي 26 و27 من كانون الثاني، في إطار جهود التنسيق قبل استئناف المحادثات في جنيف».