تستمر قوات الرئيس اليمني المستقيل، عبد ربه منصور هادي، في البحث عن أي ثغرة على جبهات القتال من أجل تسجيل أي منجز موضعي بالإمكان تثميره في المسار السياسي المتعثر، أو على الأقل، يستمد منه المدد الميداني للاستمرار في ادعاء الشرعية التي تثبت الأيام أنها في الطور الأخير من التآكل وإنهاء الدور.


بعد الفشل في تحقيق الاختراق على جبهة مديرية بيحان، في محافظة شبوة في الجنوب الشرقي للبلاد، وتوقف الزحف من دون أي نتيجة سوى الخسائر البشرية والمادية، فتحت قوات هادي جبهة جديدة هي جبهة ذو باب، القريبة من باب المندب تحت اسم «الرمح الذهبي»، وكما هو متوقع، زُجت الألوية الجنوبية في معركة بدأت السبت الماضي، ولا تزال مستمرة.
الهجوم الحالي تم التجهيز له قرابة شهرين ويقوده وزير الدفاع الأسبق لليمن الجنوبي، هيثم قاسم طاهر، وقد أعلن أن الهدف من الهجوم هو «تحرير مدينة تعز». وكان في طليعة القوات التي زجت في المقدمة «اللواء الثالث حزم»، الذي يتشكل أفراده من الجنوبيين فقط. وبالفعل اجتاز اللواء منطقة «الخمسة قرون» شرقي باب المندب.


تفرّغ «الشرعية»
بجناحيها السعودي والإماراتي قضية الجنوب

رافقت التقدم العسكري حملة إعلامية ركزت على الاعتزاز بالنفس وبتفعيل الشعور بالفخر وبالانتماء إلى الجنوب العربي، وهي حملة يُراد منها رفع الروح المعنوية بالاستفادة من سرعة تحقيق النصر على أيدٍ جنوبية. والحملة المذكورة قادتها بعض النخب الجنوبية المحسوبة على السعودية والإمارات، فيما شنت تلك النخبة حملة سخرية وازدراء من الجزء الشمالي المتعاون مع السعودية والإمارات، متهمين إياهم بالوهن والعجز عن تحقيق أي إنجاز خلال سنتين من الحرب.
مع ذلك، توقفت الحملة الإعلامية فجأة ليتبين لاحقاً أن «حزم» بأكمله وقع في مكمن لقوات الجيش و«اللجان الشعبية»، ما أدى إلى وقوع قرابة 250 بين قتيل وجريح من أفراد اللواء، ومقتل قائده العميد عمر الصبيحي.
الناشطون المحسوبون على الحراك الجنوبي رأوا أن الحادثة هي مؤامرة كبرى من «التحالف العربي» على أبناء الجنوب، مستغلين حاجة الشباب إلى العمل من أجل الزج بهم واستغلالهم في أتون معركة لا ناقة للجنوب فيها ولا جمل، كما ألقوا التهم على طيران التحالف بالتقصير وبالخذلان، بل إن بعض الناشطين تجرّأوا ودعوا أبناء قبيلة الصبيحة في محافظة لحج إلى الخروج لمحاصرة قيادة التحالف، وبالتحديد قاعدة العند، كما طلبوا وقف العبث بأرواح الجنوبيين.
أيضاً، لفت عدد منهم إلى أن الخروج في زحوف من الجنوب إلى الشمال يتناقض مع مبدأ المطالبة بتحقيق حل عادل للقضية الجنوبية عبر تقرير المصير، مضيفين إن استخدام الأراضي الجنوبية ومقاتلين جنوبيين ما هو إلا اعتراف وإقرار بالدماء بوحدة الأراضي اليمنية (شمالاً وجنوباً) على خلاف ما ينادي به كثيرون من أبناء المحافظات الجنوبية. كذلك ارتفعت أصوات كثيرة متسائلة عن المكاسب التي يحققها أبناء الجنوب من استخدام شبابهم وأراضيهم ضد الآخرين، شارحين أن قوات التحالف تستخدم الجنوبيين لحاجتها ثم ترمي بهم.
وفي حال تخلف أحد الضباط عن اللحاق بالمعركة، يجري عزله وتجريده من حقوقه المعنوية والمادية، وخاصة أنه في وقت ما كان يعاب على الشماليين الدخول إلى الأراضي الجنوبية، وإذا بالجنوبيين يعملون الفعل نفسه، ولكن لقضايا ولمصالح خليجية بحتة لا تمت إلى القضية الجنوبية بصلة.
أما الذي «زاد الطين بلة»، فهو التصريح المستفز لوزير خارجية حكومة هادي، عبد الملك الخلافي، الذي هو في الواقع يعبر عن الهدف الحقيقي للعمليات الأخيرة للتحالف وللألوية الجنوبية المتعاونة معه. وكان المخلافي قد صرح في حديث إلى تلفزيون خليجي بأن حقيقة «الرمح الذهبي» تهدف إلى الضغط على ما سماهم الانقلابيين للعودة إلى المفاوضات، فنسف بذلك الادعاء القائل إن الهدف هو تحرير تعز، ولا سيما أن القضية الجنوبية كانت مغيبة عن كل الجولات التفاوضية التي جرت بين الطرفين.
هذه المقاربة أثارت الغرابة عند الجنوبيين ولو متأخراً، وخاصة أن الميليشيا الموجودة في تعز والمحسوبة على الخليجيين لم تحرك ساكناً، كأن العمليات العسكرية على حدودهم ودعماً لهم لا تعنيهم.
أخيراً، يعتبر المطلعون على وضع الجنوب اليمني أن التحالف العربي (الخليجي) يوفر أبناءه وشبابه ويبعثهم للتعلم خارج بلادهم، فيما تستغل «الشرعية» بجناحيها السعودي والإماراتي حاجة الشباب إلى العمل والعيش الكريم، وترسل بهم إلى جبهات القتال في معركة بعيدة بأهدافها عن القضية الجنوبية.