غزة | خرج أبناء مخيمات قطاع غزة في مسيرات عدة، نهاية الأسبوع الماضي، رفضاً لأزمة الكهرباء ومطالبين بحلها. هذه كانت المرة الأولى التي يخرج فيها هذا العدد من المواطنين في مسيرات غير منظمة بدأت عبر دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي جراء انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من عشرين ساعة يومياً.


قُوبلت هذه الدعوات بحملة اعتقالات واستدعاءات شنتها الأجهزة الأمنية في غزّة، التابعة لحركة «حماس»، قبل المسيرات وزادت بعدها.
المسيرة الأكثر حشداً كانت التي خرجت من مخيم جباليا، شمال غزة، حيث تصدت الشرطة لها وأطلقت النار على المتظاهرين (راجع العدد ٣٠٧٨ في ١٣ كانون الثاني)، وفرقتهم بقوة السلاح، وزجت بعدد منهم في السجون، ثم شنت حملة ملاحقة واعتقال بحق عدد كبير من المشاركين والمنظمين. في اليوم التالي، دعت حركة «حماس» عناصرها إلى التظاهر والتنديد بأزمة الكهرباء، على قاعدة أن المسموح لأنصار الحركة مُحرّم على الناس، فيما شن أنصارها حملة تخوين بحق المتظاهرين. خلال مسيرة الأخيرة، حُرقت مرة أخرى في غزة صور رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس حكومته رامي الحمدالله. واتهم المتظاهرون رام الله باختلاق الأزمة.
أثار السماح لأنصار «حماس» بالتظاهر، ثم التفاخر بأنه لم تقع اشتباكات، تساؤلات عدة؛ فكيف يُمنع الحراك الشعبي غير المنظم ويُتصدّى له، في حين يسمح لعناصر منظمة بالتجمهر؟ لماذا يُمنع ويُقمع آخرون في مدينة غزّة، ويُعتقل متظاهرون في النصيرات وسط القطاع، ويُحاصر آخرون في خان يونس، ويُحوّل عدد من الشبّان الذين اعتقلوا إثر مسيرة مخيم جباليا إلى النيابة العامة للمحاكمة، رغم وساطة من حركة «الجهاد الإسلامي» في شأن المعتقلين؟ أما أنصار «حماس» الذين تقطع الكهرباء أيضاً عن بيوتهم، فهم لا يُقمعون وخاصة أن هذا المشهد يتناقض تماماً مع البرنامج السياسي لـ«حماس» الذي نصّ على «ضمان حماية الأمن لكل مواطن، فلا يتعرض للاعتقال التعسفي أو التعذيب، وضمان حقه في التعبير»، أثناء الحملة الانتخابية قبل عشر سنوات.
زاد على ذلك استدعاء جهاز «الأمن الداخلي»، أمس، الزميل في إذاعة «الشعب»، المقربة من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، أحمد سعيد، الذي تطرق إلى أزمة الكهرباء، وذلك للتحقيق معه. كذلك دهمت الأجهزة الأمنية بيت سعيد دون إذن من النيابة العامة، كما أوضح في حديث إلى «الأخبار»، وتكرر ذلك في منزل الكاتب عبدالله أبو شرخ.
أمّا عضو «الشعبية» حيدر العيلة، فقال إنه رفض الامتثال للاستدعاء المرسل إليه على خلفية مطالبته بالاعتصام السلمي. وقال العيلة لـ«الأخبار»، إنّه «يرفض هذه الاستدعاءات التي تسيء إلى القيادة والمناضلين». أيضاً، أُرسلت بلاغات إلى مسؤول حركة «فتح» في الشمال، حاتم أبو الحصين، وعضو «فتح» عادل جمعة، ورفض الاثنان تسليم نفسيهما، معتبرين ذلك إهانة لمكانتهما، فيما كان الأمن قد اعتقل القيادي في «فتح» عقل الشيخ خليل، وعدداً من كوادر الحركة و«الجبهة الشعبية»، رغم أن أياً من التنظيمين لم يقد تلك المسيرات.


أعلنت قطر
أنها ستدعم كهرباء غزة بـ 12 مليون
دولار لـ 3 أشهر

وبلغ عدد المعتقلين لدى أجهزة الأمن في محافظة الشمال نحو 13، منهم خمسة لدى «الأمن الداخلي» وثمانية في المباحث العامة، وقرابة 45 بلاغ استدعاء، وفق ما أوضح عضو «لجنة الإفراج عن المعتقلين» سمير أبو مدللة، الذي كشف أنّ مجموع البلاغات في باقي القطاع وصلت إلى 75، مع اعتقال قرابة 19. وأشار أبو مدللة إلى أنّ «الأمن الداخلي» وافق على حضور اللجنة التحقيقات التي تجريها مع المُستَدعين، وخصوصاً مسؤولي التنظيمات لمنع تعذيبهم أو الضغط عليهم.
في الجهة المقابلة من الأزمة، ترى السلطة الفلسطينية أنّ الكهرباء التي تؤمنها للقطاع كافية لتلبية احتياجات الناس، لكن «حماس تحوّل الكهرباء لإنارة الأنفاق»، وهو موقف يتناسق مع موقف العدو الإسرائيلي الذي هاجم على لسان منسق أعمال الاحتلال في الضفة يوؤاف مردخاي أنفاق المقاومة قبل أيام، وهو ما استدعى رداً من «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لـ«حماس».
بالنسبة إلى كثيرين، فإن الشعب هو البيئة الحاضنة للمقاومة ويجب تلبية احتياجاته، وهذا هو محور الحديث العام في غزة، أي تحريف المطالب ووضع الناس في مواجهة المقاومة، ومواجهة الجمهور بالجمهور. جراء ذلك، يتابع العدو أزمة الكهرباء والحراك الشعبي ويحاول ضباطه ووسائل إعلامه الإيقاع بين الغزيين، إذ تحدثت وسائل إعلام عبرية عن أن أزمة الكهرباء ستنعكس على إسرائيل وستتحول إلى صواريخ على تل أبيب، ثم ربط ذلك ببعض حوادث إطلاق النار على الحدود خلال اليومين الأخيرين.
على صعيد الأزمة، قال نائب رئيس «سلطة الطاقة»، فتحي الشيخ خليل، إنّه «في الأشهر المقبلة سيصل وفد تركي الى غزّة لإنشاء مشاريع لحل أزمة الكهرباء، تتضمن إصلاح خطوط الشبكة ومولدات الشركة، وبدء تحويلها للعمل على الغاز عوضاً عن السولار». وأوضح خليل أنّ «هناك حلولاً سريعة للتخفيف من الأزمة تتمثل في إلغاء الضرائب المفروضة على الوقود»، معلناً أنّ تركيا سترسل 15 مليون ليتر من الوقود بصورة عاجلة لتشغيل المحطة.
وفي لقاء جمع أمير دولة قطر، تميم بن حمد، ونائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» إسماعيل هنية، أمس، أمر حمد سفيره في فلسطين محمد العمادي بالتحرك الفوري لتنفيذ خطوات عملية في حل أزمة الكهرباء في غزة. وأكد العمادي أنه أبلغ رام الله أن الدوحة ستدفع أربعة ملايين دولار شهرياً وذلك لمدة ثلاثة أشهر، لدعم كهرباء غزة، على أن يوضع في حساب السلطة.
ويحتاج قطاع غزة إلى 400 ميغا واط، لا يتوافر منها إلا 212 ميغا واط، تعطي إسرائيل 120 منها، ومصر 32، فيما تولد شركة الكهرباء قرابة 60 ميغا واط. كذلك، عرضت «لجنة الفصائل والقوى الوطنية» التي عُقدت أخيراً لدراسة أزمة الكهرباء بعض الحلول.
وقال عضو اللجنة والقيادي في «حماس» إسماعيل رضوان، لـ«الأخبار»، إنّ «الحلّ يشمل تشكيل هيئة متابعة وطنية تضم ممثلين عن القوى والقطاع الخاص، وإعادة تشكيل مجلس إدارة شركة الكهرباء على أسس وطنية ومهنية، ومتابعة توسعة المحطة وتحويلها للعمل بالغاز وتفعيل نظام جباية موسع». أما القيادي في «الجهاد الإسلامي» خالد البطش، فقال لـ«الأخبار»، إنّ حركته تتابع قضية المعتقلين على خلفية مسيرات الكهرباء وتسعى إلى الإفراج عنهم، مطالباً المجلس التشريعي بفتح تحقيق حول دور سلطة الطاقة وكمية الكهرباء الموزعة.
إلى ذلك، ردّ القائم بأعمال رئيس سلطة الطاقة في رام الله، ظافر ملحم، بالقول لـ«الأخبار»، إنّ شركة الكهرباء في القطاع هي سبب الأزمة، لأنّها تعفي 60 ألف مشترك بخلاف المؤسسات الحكوميّة والمنتجعات والمساجد من دفع فاتورة الكهرباء، وهؤلاء يستهلكون قرابة عشرة ملايين شيكل، وهو ما يؤدي إلى الخلل»، مستدركاً: «إذا تمّت جباية المبلغ ستُحلّ الأزمة».




مقترحات كثيرة... بلا تنفيذ

بدأت أزمة الكهرباء في غزّة بعد قصف العدو الإسرائيلي محطة توليد الكهرباء عقب أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، فلم يعد بمقدور الشركة الانتظام في توزيع الكهرباء، لذلك وضعت جداول، منها ثماني ساعات وصل، ثمّ ست ساعات في اليوم، إلى أن قُلّصت الساعات إلى أربع. حاولت جهات مختلفة حلّ الأزمة، لكنها فشلت، ومن بين الحلول تحويل محطة توليد الكهرباء للعمل بالغاز بدلاً من السولار لتقليص ثمن الوقود، إضافة إلى اقتراح مشروع الربط الإقليمي مع مصر من خلال الشبكة الإقليمية، وأيضاً ربط غزة بخط 161 الإسرائيلي الذي يوفر لغزة 150 ميغا واط. كذلك طرح مشروع تأمين الكهرباء عبر سفن تركية مولدة للطاقة، بخلاف مشروع قطري لإنشاء محطة تعمل على الطاقة الشمسية، ودفع الدوحة ضريبة البلو المفروضة على وقود الشركة، وإدخال وقود مجاني تسدد هي سعره.