صنعاء | أعادت زيارة عضو مجلس العموم البريطاني، أندرو ميتشل، للعاصمة اليمنية صنعاء ومحافظة صعدة، إلى الأذهان دور البرلماني البريطاني جورج غالاوي، في مناصرة قضايا المنطقة، خاصة القضية الفلسطينية. فميتشل سبق أن أعلن مناهضته العدوان والحصار على اليمن منذ قرابة عامين، وطالب في أيلول 2015 برفع الحصار وفتح الممرات البحرية لدخول الغذاء والدواء والوقود.


ورغم محاولته الاقتراب من الواقع اليمني في ظل العدوان ليكون شاهداً على وحشيته، فإن دوره لا يزال غامضاً حتى الآن، وربما يكون أكثر وضوحاً خلال المدة المقبلة، خاصة مع متابعة مصير الوعود التي أطلقها.
زيارة ميتشل، التي أثيرت حولها استفسارات كثيرة، انتهت، لكن أصداءها مستمرة، خاصة أنها الأولى لسياسي بريطاني في ظل العدوان الذي تشارك فيه بلاده بطريقة غير مباشرة، وقد جاء عبر طائرة كانت تقلّ وفداً لـ«جماعة أنصار الله» من العاصمة العمانية مسقط.
لا تزال تفاصيل كثيرة مخفاة، وميتشل جاء من دون إعلان مسبق، ولم يحمل أي مبادرات سياسية، بل مجرد أفكار قدمها أطراف صنعاء للحل، ثم حمل معه رسالتين من الرئيس السابق علي عبدالله صالح والبرلمان اليمني إلى بلاده، لكنه حرص خلال أيام الزيارة القليلة على معاينة مواقع المجازر، خاصة التي كانت جرّاء القنابل العنقودية المصدّرة من بلاده، والتي اشترتها السعودية.
أيضاً، التقى ميشتل رئيس «المجلس السياسي الأعلى صالح الصماد، في لقاء منفصل عن صالح، وكانت لافتة زيارته لصعدة والاطلاع فيها على الأضرار التي أصابت المحافظة والطرقات العامة، في ظل أكثر من 15 غارة يومياً ــ على الأقل ــ تطاولها.

وصعدة هي المنطقة الأولى التي استُهدفت بقنابل عنقودية منذ بدء العدوان، فيما أثارت هذه الزيارة السريعة حفيظة الرياض، وهو ما ظهر في الصحافة الخليجية عموماً، علماً بأنه خلال وجوده في العاصمة شنّ العدوان غارات مكثفة عليها.
لم تكن مواقف ميتشل منفصلة عن مواقف متأرجحة لبلاده، خاصة بعد الكشف عن قضية القنابل العنقودية. وكان أندرو قد قال في أواخر آذار 2015 إن تدهور الأوضاع في اليمن يعبّر عن فشل ذريع للدبلوماسية البريطانية، التي وصفها بأنها تركت سياستها الخارجية للسعودية ودول التحالف الأخرى، ورخّصت لها شنّ حرب بطريقة تخلّف ضحايا من المدنيين. كذلك دعا أواخر 2015 إلى رفع الحصار على الوقود، وفتح موانئ البحر الأحمر أمام السفن التجارية والإنسانية، والتوقف عن استهداف المدنيين والعودة إلى المفاوضات.
وما يبدو أنه أزعج السعوديين تجاهل ميتشل زيارة عدن، أو السعي إلى لقاء حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، من جانب، وإشارته في أكثر من تصريح لوسائل الإعلام المحلية، خلال زيارته صعدة، إلى ما تعرضت له المحافظة من تدمير منهجي يصل إلى ما وصفه بـ«جريمة حرب»، من جانب آخر.
ووفق مرافقين له خلال جولاته، كان ميتشل أكثر استماعاً من الحديث، وركز في كلامه على الجانب الإنساني، لكنه قبل مغادرته صنعاء، الأسبوع الماضي، أكد أنه لمس رغبة لدى الموجودين في العاصمة في دخول محادثات غير مشروطة للتوصل إلى اتفاق يفضي إلى وقف الحرب ورفع الحصار وإحلال السلام. ورأى أيضاً أن من واجب واشنطن ولندن أن يستخدما نفوذهما للضغط على قوى العدوان من أجل تحقيق ذلك.
ميتشل الذي وقع في حرج كبير أثناء زيارته أحد المعارض وقد جمعت فيها الأسلحة البريطانية المستخدمة في صعدة، حاول تبرير دور لندن غير المباشر في العدوان، بالإشارة إلى أن الأسلحة البريطانية المستخدمة، ومنها قنابل عنقودية، بيعت للسعودية منذ 30 عاماً وليس مؤخّراً.
ورغم أن زيارته هذه ليست الأولى إلى صنعاء، بل الثانية، فإنها أكثر غموضاً، علماً بأنه سبق أن زار صنعاء قبيل اجتماع «أصدقاء اليمن» أواخر 2012، خاصة أنه ما بين 2010 ــ 2012 تسلم منصب وزير التنمية الدولية في بلاده. وكانت مهماته آنذاك تتوزع بين الملفات الإنسانية إضافة إلى اهتمامه بقضايا القروض والمساعدات المالية الدولية، والتنسيق مع دول «أصدقاء اليمن» و«مجلس التعاون الخليجي»، أثناء أزمة صيف 2011، والتداول في المبادرة الخليجية.
في المقابل، يستبعد كثيرون أن تكون هناك أي نتائج ملموسة لزيارة ميتشل في ظل التقارب البريطاني ــ الخليجي، الذي توّجته رئيسة الوزراء تيريزا ماي خلال حضورها الاجتماعات الخليجية الأخيرة، مع تفاؤل بسيط ببعض التأثير في مواقف مجلس العموم تجاه مبيعات السلاح للسعودية لاحقاً.
وفي ظل تأكيد مصدر في البرلمان اليمني أن ميتشل حمل رسالة رسمية منهم إلى «العموم البريطاني»، وعد الأخير في مؤتمر عقده قبيل مغادرته بنقل المعاناة الإنسانية التي شاهدها إلى أعضاء المجلس في بلاده، كما وعد بنقل المقترحات التي سمعها لإقامة حوار يمني ــ سعودي وآخر يمني ــ يمني. إذن، هذه وعود كثيرة قدمها ميتشل، فهل ستكون مواقفه وتجربته وآثارها مشابهة لما حدث مع جورج غالاوي؟