بغداد | لعب الانقسام الديموقراطي ــ الجمهوري في الولايات المتحدة، ومحاولة التخلص من إرث جورج بوش الابن، دوراً في صياغة رؤى متباينة عن علاقة السنّة العرب بالنظام السياسي في «عراق ما بعد صدام حسين». مراكز الأبحاث مارست بدورها خلطاً للأوراق بلغ حد التضليل أحياناً، كما أسهمت، عبر استشارات مسيّسة ودراسات مدفوعة الثمن، في تكريس الانقسام العراقي وتعقيد الأزمات السياسية.


حاولت الرؤية الغربية مقاربة المشاركة السياسية لسنّة العراق ضمن ثنائية اجتثاث الحكومات الشيعية للبعث، وتهميش الشيعة لـ«الأقلية السنية»، ثم تحولت هذه المقاربة إلى سردية مكررة ترددها جيوش المحللين والخبراء الاستراتيجيين كأنها يقينيات غير قابلة للنقاش والتشكيك. كما يندر أن نجد مقاربة غربية لأوضاع العراق ما بعد 2003، لا تتضمن تذكيراً بهذه السردية المجتزأة والمبتسرة.
يقفز المحللون والصحافيون عن سلسلة أحداث مفصلية شهدها العراق بعد إطاحة نظام صدام، مع أنها صاغت الدور السياسي لكل المكونات العراقية. ويبدأ التأريخ لدى معظم الصحافيين والمحللين الغربيين من تاريخ انسحاب الجيش الأميركي من العراق نهاية 2011، بوصفه نهاية للحلم الديموقراطي الذي أرساه الأميركيون وبدّده العراقيون! هنا الحديث تحديداً عن الشيعة بوصفهم المكون الذي يمسك زمام السلطة، وورثة نظام البعث الذي عرّضهم لمجازر دموية طوال أربعة عقود من حكمه، أي أنه بحكم القمع الذي تعرض له الشيعة خلال العقود الماضية، يجب أن يمارس هؤلاء سياسة الثأر من خصومهم السنة؛ هكذا اختُزلت الصورة كما نقرأها في وسائل الإعلام الغربية.


لعب الأميركيون دوراً مؤثراً في التقريب بين المالكي والصحوات



أيضاً، يتجاهل الكتّاب والصحافيون غياب التمثيل السياسي في الأوساط السنية، وهو العامل الأبرز الذي سمح بتقاسم التمثيل بين «الحزب الإسلامي» ــ أبرز الواجهات السياسية السنية ــ وبين الفصائل المسلحة «المقاومة»، وشيوخ العشائر المنقسمين بدورهم. مع ذلك، لم يمنع تشتّت التمثيل السني واختلاف مرجعياته من بلورة رؤية شبه رسمية لهذا المكوّن ترتكز على التشكيك بشرعية النظام السياسي، رغم المشاركة الفعالة والمؤثرة في كتابة الدستور، والحصول على حصص كبيرة في الحكومة والبرلمان.
انعكس تغلغل هذه السردية، التي تبناها السنّة العرب بعد 2003، على طبيعة تعاطي الزعماء والقادة السنة في الشؤون السياسية وتمثيل مكونهم والدفاع عن مصالحه ومقدراته. وبرغم فتوى «هيئة علماء المسلمين» ــ أبرز مرجعية سنية في العراق الجديد ــ بحرمة المشاركة في الحياة السياسية، وحرمة التطوع في صفوف الجيش والشرطة، فإن المحافظات السنية شهدت تشكّل حكومات محلية، وتطوع الآلاف من أبنائها ضمن صفوف الجيش وقوى الأمن، بعدما تم تسليمها باتفاقيات ثنائية إلى الجيش الأميركي.
في موازاة ذلك، تشكلت أحزاب وكتل سياسية «سنيّة» تمتعت بتمثيل وازن في جميع السلطات. كما كانت لهذه الأحزاب حصص في حكومات إياد علاوي من حزيران 2004 إلى نيسان 2005، وإبراهيم الجعفري من نيسان 2005 إلى أيار 2006، والمالكي من 2006 إلى 2014. لكن هذه المشاركة في الحياة السياسية عجزت عن إقناع الشارع السني بشرعية النظام السياسي وبضرورة المشاركة المتساوية. بل أسهمت في ترسيخ خطاب التهميش والظلامة في الوجدان السني، وذلك في محاولة من الساسة السنّة لإبقاء الجسور ممدودة مع شارع يخضع لسطوة جماعات مسلحة يغلب عليها التطرف والتكفير، ولشيوخ قبائل مزدوجي الولاء.
مع ما سبق، حاولت الحكومات، التي شكلها التحالف الشيعي بعد 2005، استقطاب شخصيات سنية لكسر «تابو التحريم» الذي منح الجماعات المسلحة غطاء شرعياً لمهاجمة كل مؤسسات الدولة في المحافظات والمدن السنية وخارجها، لكن هذه المشاركة الضئيلة عجزت عن تجاوز إشكالية شرعية التمثيل. فقد كان القرب أو البعد من الحكومة الشيعية، التي توالى عليها الجعفري والمالكي، ولاحقاً حيدر العبادي، معياراً حاسماً وحاكماً على شرعية الانخراط السني في الحياة السياسية.
على هذا الأساس، هوجمت واستهدفت كل الشخصيات والأحزاب والكتل التي شاركت في العملية السياسية. وتعرضوا لحملة تكفير واسعة أخرجتهم من الملّة وأباحت قتلهم وتصفيتهم. وفعلاً، تعرض المئات من الساسة السنة، ممن تولوا مسؤوليات حكومية أو محلية، للتصفية على يد فصائل «المقاومة» والجماعات الجهادية كـ«القاعدة» و«أنصار السنة» وغيرهما. ويمكن تلمّس آثار ذلك في طريقة التعامل مع كل من طارق الهاشمي، وهو نائب رئيس الجمهورية، ورافع العيساوي، وهو وزير المالية الأسبق؛ كلا الرجلين تعرض لهجمات شرسة من شارعهما أثناء توليهما مناصب حكومية رفيعة، لكنهما تحولا إلى «رموز سنية» بعد تفجّر خلافهما مع المالكي بعد 2011.
في هذا التوقيت بالذات، تحوّل صالح المطلك من «صقر سني» إلى «عميل لدى المالكي»، بعدما تعرض المطلك، الذي كان يشغل منصب نائب المالكي للشؤون الاقتصادية، لمحاولة اغتيال في الأنبار على يد محتجين، وذلك عندما حاول التوسط بين الحكومة وبين ساحات الاعتصام التي تشكلت إثر ملاحقة الوزير رافع العيساوي. وفق هذه المعادلة، التي حكمت مزاج الشارع السني، تحوّل مشعان الجبوري، السياسي الذي كان يدعم «المقاومة» ويترحم على صدام عبر إحدى الفضائيات التي يمتلكها، من شخصية وطنية إلى أحد أفراد «سنة المالكي»، وذلك بمجرد تطبيع علاقته مع الحكومة العراقية.
تكرّست تهم العمالة والخيانة بحقّ الجبوري بصورة أوسع بعد انخراطه ونجله يزن في قيادة فصيل ضمن «الحشد الشعبي»، والمشاركة في استعادة تكريت وبيجي، معقل عشيرة صدام. وبذلك، انعكست أزمة شرعية ممثلي السنة على وجودهم في مناطقهم، الأمر الذي دفعهم إلى الاستقرار بصورة شبه دائمة في إقليم كردستان العراق أو بعض دول الجوار. ولم يعودوا يعيشون بين ناخبيهم، بل باتوا يديرون الأمور عبر الوسطاء فقط.
في المقابل، استغلّ المالكي، خلال ولايته الأولى، زخم مواجهته مع جماعة الصدر عام 2008، لاستقطاب المزيد من الشخصيات السنية إلى جانبه. وجاءت هذه الخطوة في محاولة لاختراق الشارع السني بقوائم انتخابية متحالفة معه أولاً، وتليين المعارضة السنية للحكم الشيعي ثانياً. كما لعب الأميركيون دوراً مؤثراً في التقريب بين المالكي وزعماء «الصحوات». استخدم الرجل سياسة العصا والجزرة مع ممثلي السنة. فبقدر ما منحهم امتيازات باذخة أحياناً وصلت إلى حد مضاعفة المخصصات المالية لبعض المحافظات أكثر من استحقاقها، فإنه لم يتوان عن استخدام القضاء وسيطرته على الأجهزة الأمنية لتصفية خصومه ومعارضيه.
إلى جانب ذلك، لعب المالكي على الصراعات المزمنة بين الزعامات السنية، فاستثمر نزاع «الحزب الإسلامي» مع طارق الهاشمي حول منصب نائب رئيس الجمهورية بعد انشقاق الأخير عنه، ومحاولة الحزب استعادة رئاسة البرلمان من أسامة النجيفي؛ كل ذلك ساعد على صعود وتقريب ساسة ونواب من الخط الثاني لمصلحة تكوين جبهة سنية مقربة من الحكومة باتت تعرف باسم «سنة المالكي»، على ألسنة معارضي الأخير.
لقد حكم الصراع على السلطة والمال علاقة زعماء السنة في ما بينهم من جهة، وما بينهم وبين المالكي من جهة ثانية. فمضى الأخير بعيداً في تغذية هذه الانقسامات واستثمار نتائجها في توسيع مظلة «سنّة المالكي» على حساب معارضيها. وهنا لا يمكن إغفال العوامل الشخصية للمالكي ولخصومه في احتدام الصراع وتأجيجه بشكله الدموي الذي أعقب اعتصامات المحافظات السنية في 2012.
في هذه النقطة بالذات، يمتاز العبادي بهامش واسع من المرونة والمناورة حتى مع المختلفين معه. فقد نجح رئيس الوزراء الحالي في تحييد الخصوم والمعارضين عبر تبنيه خطاباً هادئاً بعيداً عن لغة الصدام والتصعيد التي أدمنها سلفه المالكي. وانعكس هذا التحول بوضوح في مواقف معارضي المالكي، الذين باتوا يلجأون إلى لهجة ناعمة حتى في حديثهم عن «حزب الدعوة» وزعيمه، لكن هذا التبدل ليس سوى جزء متواضع من المشهد. لأن أولويات حكومة بغداد لم تعد على حالها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الزعماء السنة.
حكومة العبادي تواجه تحديات تختلف عن تلك التي واجهت حكومة المالكي خلال السنوات الثماني الماضية. فالعبادي يسعى جاهداً لتجاوز الأزمة المالية الخانقة التي تواجه العراق جراء انخفاض أسعار النفط، بالتزامن مع تلبية متطلبات الفاتورة الباهظة للحرب على تنظيم «داعش». أيضاً، إن التحديات السياسية التي يواجهها العبادي لا تقل عن سواها. فصراعات الكتل تلقي بظلالها على حكومته التي تعاني من شغور ثلاثٍ من أهم حقائب حكومته الوزارية: الداخلية والدفاع والمالية.
في هذا السياق، تبدلت حال الأولويات السنية منذ 2014 دون اندلاع أعمال احتجاج ضد قرار العبادي استبعاد أسامة النجيفي عن منصبه نائباً لرئيس الجمهورية صيف 2015. فالأسباب التي دفعت الشارع السني إلى الاحتجاج ضد إبعاد رافع العيساوي لم تعد قائمة مع إقالة النجيفي، كما لم يعد الشارع السني يعبأ بممثليه الذين لم يشاهدهم يدافعون عن مدنه التي سقطت بيد «داعش»، وأيضاً لم يشهد لهم دوراً في مواساة ملايين النازحين عن مدن الحرب.
لقد مر خبر إقالة النجيفي، ضمن الإصلاحات الحكومية، وعودته إلى منصبه بعد أكثر من سنة، مروراً عابراً. ولم يعد هناك «مالكي» يعلق ساسة السنة أخطاءهم على شماعته؛ ببساطة، لم يعد هناك شارع سني يحاول ساسته مغازلته بافتعال الأزمات مع بغداد وحكومتها الشيعية. اليوم، يحاول العبادي التخلص من تركة المالكي وخصومه، وفتح صفحة مع شارع سني جديد آخذ بالتشكل بعد إخراج «داعش» من آخر معاقله.