في مشهد يكرّس النكبة المستمرة للشعب الفلسطيني ويكررها، حوّلت جرافات العدو الإسرائيلي قرية عتير ــ أم الحيران، في النقب، جنوبي فلسطين المحتلة، إلى ركام، أمام أعين السكان الذين حاصرتهم الوحدات الخاصة والشرطة في باحة مسجد القرية، مانعةً وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية، ونواب «القائمة العربية المشتركة» والمتضامنين، من الوصول إليهم.


أثناء التدمير وقبله، اندلعت اشتباكات عنيفة استشهد إثرها المواطن يعقوب أبو القيعان (40 عاماً)، فيما أصيب العشرات بجروح نتيجة إطلاق الرصاص الحي والمطاطي، وقنابل الغاز السام بكثافة، على كل من حاول التصدي للهدم.
تُرك أصحاب المنازل العزّل يهيمون فوق الأنقاض التي ستبنى عليها مستوطنة «حيران»، واستُخدمت ضدهم الأسلحة والخيالة والكلاب البوليسية، علماً بأن محو أم الحيران بالكامل يأتي بعد أيام قليلة على هدم 11 منزلاً في مدينة قلنسوة، ليؤكد أن الحكومة الإسرائيلية ماضية في حملة غير مسبوقة تستهدف أكثر من مئة ألف منزل في الأراضي المحتلة عام 1948، وترك قرابة 500 ألف فلسطيني من دون مأوى، بحجة أنهم «يبنون من دون تراخيص».
مصير أم الحيران يختصر قضية 46 قرية فلسطينية مسلوبة الاعتراف في صحراء النقب، وتمنعها حكومة العدو من الحصول على الخدمات الأساسية، كالبنى التحتية والمستشفيات والمدارس وغيرها. ففي عهد الانتداب البريطاني، اعترف بملكية الفلسطينيين البدو على أراضيهم وفق القانون العشائري، فيما رفض العدو الاعتراف بذلك بعد النكبة، وقد هجّر أهالي أم الحيران، الذين سكنوا في تلك الفترة منطقة وادي زبالة، إلى منطقة وادي عتير، بأمرٍ من الحاكم العسكري. وحتى النكبة الثانية في حزيران 1967، استقر الأهالي في أم الحيران، لتدّعي الحكومة الإسرائيلية عام 2003 أن أصحاب الأرض «غزوا» المنطقة، رغم أن وثائق «أرشيف الدولة» تثبت أنهم هُجّروا بالقوة إلى هناك.
استمراراً لنكبتهم، أقرّ العدو عام 2006 قراراً بهدم قريتهم لبناء مستوطنة ومنتجع في أراضي عتير المقابلة لقريتهم. وبعد استئنافات عدة قدمت إلى المحاكم الإسرائيلية، جاء الرد بهدم القرية بكاملها أمس. وخلال إخلاء البيوت، استشهد أبو القيعان جراء إصابته بالرصاص الحي الذي أطلقته الشرطة عليه عندما كان يقود سيارته محاولاً الابتعاد عن الاشتباكات التي قتل فيها شرطي إسرائيلي وأصيب عدد من الفلسطينيين، بينهم رئيس «القائمة المشتركة» النائب أيمن عودة، والنائب بسام السعدي.
لم تكتفِ وسائل الإعلام العبرية، ومعها وسائل إعلام فلسطينية محلية، بتحويل أنظار الرأي العام عن جريمة الهدم، بل استندت إلى رواية شرطة العدو التي قالت إن الشهيد أبو القيعان «ينتمي إلى تنظيم داعش»، وإنه نفّذ «عملية دهس خلال تصديه للهدم فقتل شرطياً إسرائيلياً». وبعد ساعات قليلة، نشر ناشط يهودي من موقع «سيحاه مكوميت»، يدعى كوبي سنيتس، فيديو روى فيه شهادته، قائلاً إنه كان لحظة إطلاق الشرطة النار على أبو القيعان، وكان الأخير يحاول الابتعاد عن المكان ولم يشكل أي خطر على الشرطة. وأضاف سنيتس: «أطلق أفراد الشرطة عيارات نارية من كل الاتجاهات نحو سائق السيارة، الأمر الذي أدى إلى إصابته وفقدانه السيطرة على مركبته التي اتجهت، نتيجة ذلك، نحوهم، ما أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة آخر».
كذلك أكّد أحد جيران الشهيد أن أفراد الشرطة لم يطلقوا النار على السيارة فقط، بل بعد استشهاد أبو القعيان الذي يعمل أستاذاً مدرسياً، فتحوا باب السيارة وأطلقوا النار على رأسه للتأكد من موته، كذلك ذكر الشاهد أن الشرطة «أطلقوا النار بعضهم على بعض أثناء الاشتباكات».
تعقيباً على ذلك، قال عضو «المشتركة» والنائب عن حزب «التجمع الوطني الديموقراطي»، باسل غطاس، إن «جريمة أم الحيران المضاعفة تعني تصعيداً ميدانياً غير مسبوق منذ الحكم العسكري»، متسائلاً: «ماذا يعني هدم 11 منزلاً في قلنسوة؟ ثم يهدمون البيوت في أم الحيران ويهجّرون الأهالي ويقتلون شاباً، ثم يتهمونه... بأنه إرهابي من داعش حاول دهس الشرطة». وأضاف: «هذه هي الملامح الحقيقية للدولة الفاشية. وإذا لم يكن ردّنا بحجم الحدث، فنحن نعطيهم الضوء الأخضر لاستمرار هذه الجرائم».
غطاس الذي صوّت 72 عضواً في الكنيست لإقصائه عن منصبه قبل يومين، قال في تصريح صحافي إنه «يجب احترام الشهيد لأنه شهيد الشعب الفلسطيني كله، ويجب أن تقام له جنازة مهيبة». وتعليقاً على الخطوات الاحتجاجية التي اتخذتها «لجنة المتابعة» في أعقاب الهدم في قلنسوة، رأى غطاس أنها غير كافية، مؤكداً أن القيادات في الداخل «لن تكتفي هذه المرة بإضراب هنا ومظاهرة هناك»، داعياً كل أبناء الشعب الفلسطيني إلى الخروج في مظاهرات احتجاجية.


مسؤولون: التهاون في الردّ يعني ضوءاً أخضر لاستمرار الجرائم

أمّا رئيس «التجمع»، عوض عبد الفتاح، فرأى أن «التصعيد غير مفاجئ، لكن جريمة القتل التي حدثت أثناء إخلاء البيوت من المفترض أن تستنفر الناس... أعتقد أن مشاعر الغضب نتيجة ذلك ستترجم خلال الأيام المقبلة». وأضاف عبد الفتاح: «القيادات الفلسطينية ستدرس الخطوات الممكنة لتحريض الناس على النضال من أجل لجم الأخطبوط الإسرائيلي المصرّ على هدم الأرض والمسكن وقتل الإنسان الفلسطيني».

من جهة أخرى، أكّد أستاذ التخطيط العمراني يوسف جبارين، في حديث إلى «الأخبار»، أنه «بسقوط أم الحيران ستسقط 46 بلدة عربية في النقب غير معترف بها، ومليون دونم من الأراضي»، موضحاً أن هذه المساحة هي «ضعف ما يملكه الفلسطينيون في الجليل والمثلث». كذلك، قال مركز «عدالة» الحقوقي، الذي يمثل سكان أم الحيران في الإجراءات القضائية ضد هدم القرية، إن «الجهاز القضائي والحكومة الإسرائيلية يتحملان المسؤولية عن قتل أبو القيعان». وأضاف «عدالة»، في بيان، أن «قرار المحكمة العليا الذي سمح بهدم قرية قائمة قبل أكثر من 60 عاماً من أجل إقامة مستوطنة يهودية على خرائبها، هو أحد القرارات الأكثر عنصرية التي أصدرتها المحكمة».
وتابع البيان: «الحكومة الإسرائيلية ورئيسها استغلوا هذا القرار من أجل مواصلة سياسة الهدم، بينما يمجّد (بنيامين) نتنياهو استخدام الدولة للقوة تجاه المواطنين العرب في أم الحيران وقلنسوة»، مكملاً: «الشرطة الإسرائيلية أثبتت مرة ثانية أنها ترى في الجمهور العربي كله عدواً، وأن من السهل الضغط على الزناد عندما يكون الحديث عن مواطنين عرب، في حين يحظى أفراد الشرطة، مطلقو النار، بالحصانة من جانب وحدة التحقيقات مع أفراد الشرطة». كذلك أوضح المركز الحقوقي من مقره في حيفا، أنه «في أعقاب القرار بإقامة المستوطنة اليهودية باسم حيران على أراضي القرية، طلبت دائرة أراضي إسرائيل إخلاء سكان القرية كافة الذين يصل عددهم إلى ألف نسمة، وهدم منازلهم وطردهم مرة أخرى، وذلك للمرة الرابعة».
ومساء أمس، شارك المئات في مظاهرتين احتجاجيتين جابتا شوارع مدينتي حيفا والناصرة المحتلتين، ورفعوا خلالهما الأعلام الفلسطينية واللافتات المنددة بجريمة الهدم. كذلك أغلق المتظاهرون شارع «بن غوريون›» في حيفا.





إعلان الحداد والإضراب العام... والتظاهر

أعلنت «لجنة المتابعة العربية في الأراضي المحتلة عام 1948» الحداد والإضراب العام، رداً على هدم قرية عتير أم الحيران، على أن يشمل التعليم حصتين يتحدث فيهما المعلمون للطلاب عن قضية الهدم، ثم تنظم وقفات احتجاجية داخل المدارس، وتغلق السلطات المحلية أبوابها وترفع الأعلام السوداء.

وأقرّت «المتابعة»، التي عقدت اجتماعها على أنقاض المنازل المهدمة في أم الحيران، أمس، تنظيم مظاهرة قطرية بعد غدٍ السبت في مدينة عرعرة، ومسيرة سيارات إلى القدس المحتلة يوم الإثنين المقبل، وأن تجتمع في مقرها في الناصرة غداً لاتخاذ خطوات تصعيدية إضافية.
في هذا السياق، طالب رئيس «اللجنة»، محمد بركة، المجتمع الدولي بـ«فرض الحماية الدولية على الفلسطينيين في الداخل، على ضوء استفحال عدوانية المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية ضدنا، بأوامر واضحة صادرة عن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وبإجماع حكومته». وقال بركة: «منذ الأسبوع الماضي لمسنا هذا التوجه، وعلى وجه التحديد في مدينة قلنسوة، التي أعقبها تصريح نتنياهو بالتعهد بالمزيد من الجرائم، وهو ما تحقق في أم الحيران».
على خط موازٍ، نظمت القوى الوطنية في بلدات ومدن فلسطينة عدة، أمس، مظاهرات احتجاجيّة ضد سياسة هدم البيوت وتهجير سكانها. وتظاهر ناشطون من مختلف الأحزاب في مدن الناصرة، وأم الفحم، وسخنين، عرابة، وحيفا، وشفاعمرو، وعكا، ومنطقة تل أبيب، واللد، ويافا، وغيرها.
أمّا الحركات الطلابية الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية، فنظمت أمس وقفات احتجاجيّة حاشدة في أكثر من منطقة فلسطينية. وكانت أولى المظاهرات قد انطلقت في الجامعة العبرية في القدس المحتلة، حيث احتشد عدد كبير من الطلبة أمام الشرطة والجنود صارخين: «الموت ولا المذلة».
ونقل الطالب خليل غرة لـ«الأخبار» أن «الدعوة إلى التظاهرة كانت غير حزبية، وشارك فيها عدد كبير من طلاب الجامعة... في الأسبوع المقبل سننظم في الجامعة مظاهرات أخرى».