في نظرة على حال الموارد الاقتصادية في السودان، فإن السياسات الاقتصادية والقرارات السياسية التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة منذ انقلاب عام ١٩٨٩، تسببت باستنفاد موارد البلاد، مضيفة إلى ذلك جملة من قرارات الخصخصة وتحرير السوق والتوقف عن تمويل مشروع «الجزيرة»، الذي كان أكبر المشروعات الزراعية في القارة الأفريقية.


ونجم عن ذلك أيضاً خصخصة الحكومة الشركات الوطنية للنقل الجوي والبحري والسكك الحديد، وغيرها من المؤسسات التي كانت مورداً أساسياً للخزينة. أما لجهة النفط، فسبق أن ذهب ثلاثة أرباع ما كان ينتجه السودان من بترول إلى ميزانية دولة جنوب السودان التي انفصلت عن الوطن الأم في ٢٠١١، وبذلك افتتح العهد الاقتصادي الأسوأ في تاريخ البلاد من سنوات قليلة.
خلال السنوات العشر الأخيرة، نشطت حركة التنقيب الأهلي عن الذهب، بعدما تفرغ آلاف المواطنين الذين يحملون معدات بسيطة للتنقيب عن الذهب، الأمر الذي حوّل تجمعات التعدين الأهلي إلى «مناطق اقتصادية أهلية» إنتاجاً وبيعاً للذهب خارج إدارة الحكومة. لذا، سرعان ما وضعت الأخيرة سياسات جباية ورقابة على تلك المناطق، ما تسبب برفع إنتاج الذهب من القطاع التقليدي ليشكل نسبة ٨٤٪ من الإنتاج الكلي للذهب المنتج في البلاد لعام ٢٠١٦، وفقاً لتقارير وزارة المعادن قبل أيام.


تم ما بين 2010 ــ 2014 تهريب وتصدير ما قيمته ٥،٤ مليارات من الذهب إلى الإمارات


والآن، صارت الحكومة نفسها تستثمر في تعدين الذهب بشراكة فرنسية لإنتاج الذهب في شرق السودان منذ مدة طويلة، وقد منح أصحاب القرار امتيازات للتنقيب عن الذهب لعشرات الشركات الاستثمارية العربية والأجنبية على مساحات شاسعة من الأراضي الجبلية والسهلية. ويحدث ذلك وفق اتفاقات استثمارية، نادراً ما تعلن الحكومة تفاصيلها وما يترتب عليها من نتائج ربما لا تدخل إلى الموازنات العامة، وخاصة أن تقرير وزارة المعادن في العام الماضي كشف أن إنتاج «شركات الامتياز» بلغ ٦٪ فقط، فيما نالت شركات المخلفات (القمامة) نسبة ١٠٪ من جملة الإنتاج السنوي! (لم توفّر الحكومات معلومات حول المنتج من الذهب إلا في تقرير عام ٢٠١٦).
واللافت أن الحديث الحكومي ككل عن ظاهرة إنتاج الذهب لم يظهر على السطح إلا عقب فقدان الخرطوم مورد نفط الجنوب، علماً بأن الخريطة الاقتصادية تغيرت كلياً نتيجة اختلال خريطة موارد الدولة. وعقب يومين من إعلان وزير المعادن حجم إنتاج السودان من الذهب، خرج قبل أيام وزير الداخلية، الفريق أول عصمت عبد الرحمن، من داخل البرلمان، ليطلق تحذيراً بسبب وجود «ثلاثة آلاف مسلح أجانب» يملكون سيارات دفع رباعي ويرتدون زياً عسكرياً في منطقة جبل عامر في ولاية شمال دارفور، حيث ينشط التنقيب التقليدي عن الذهب.
وقال عصمت إن الداخلية لا يمكنها مواجهة المسلحين الأجانب بسبب امتلاكهم أسلحة متطورة، مطالباً بتدخل الجيش لحسم الوضع، فيما يقدر مراقبون أن الأجانب المشار إليهم ليسوا سوى مسلحين تابعين لميليشيا محلية. وجبل عامر، التي تحدث عنها الوزير، تبعد ٣٠٠ كلم عن عاصمة الإقليم «الفاشر»، وهي من أهم مناطق إنتاج الذهب، لكنها عملياً منذ ٢٠١٣ تكاد تكون خارجة تماماً عن سيطرة الحكومة.
ويتحكم في جبل عامر زعيم قبلي وقائد ميليشيا محلية يدعى موسى هلال، وهو أحد المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية لاتهامه إلى جانب الرئيس السوداني، عمر البشير، وآخرين، بارتكاب جرائم حرب. كما اتهمت جهات حقوقية دولية هلال بقيادته الميليشيا التي سميت «الجنجويد»، وكانت طرفاً رئيسياً في انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. كما أن الرجل، الذي يتزعم قبيلة المحاميد، ظل حليفاً لحكومة البشير ووزيراً فيها، ثم غادر الخرطوم إثر خلاف مع حلفائه واستعصم بقواته بعيداً عن الحكومة في شمال دارفور. واستفاد من ثقله القبلي وأنصاره تحت لافتة «مجلس الصحوة الثوري»، وهو الواجهة السياسية للميليشيا القبلية التي يتزعمها. وتقول المعلومات إن سيطرته على جبل عامر تحققت عقب معارك قبلية طاحنة كان هو أحد أطرافها وأودت بنحو خمسمئة مواطن عام ٢٠١٤ وفقاً لإحصاءات أممية.
الجدير بالذكر أن المنطقة التي اختارها هلال لحمايته هي من الجهة الأخرى تمثل مخرجاً آمناً له ولـ«ذهبه» خارج البلاد نحو الجارة تشاد، حيث يتوفر له سند سياسي يتمثل في زوج ابنته رئيس تشاد إدريس دبي. وتشير تقارير صادرة عن «لجنة العقوبات حول دارفور»، التابعة للأمم المتحدة، عام ٢٠١٥، إلى أن هلال جمع ثروة تقدر بأكثر من ٥٤ مليون دولار عن طريق استخدام الذهب من جبل عامر، فيما تقول اللجنة إن تجارة الذهب في دارفور حققت عوائد للحركات المسلحة هناك بلغت ١٢٣ مليون دولار، من بينها ما جمعه هلال.
ورغم غياب معلومات رسمية عن حجم إنتاج واحتياطي الذهب في جبل عامر، فإن إفادات لمن زاروا المنطقة تؤكد أن هناك ما يزيد على ثلاثمئة منجم للذهب، لكن الأهم هو ما ذكرته «لجنة العقوبات» الأممية، حينما قالت إنه خلال الأعوام ٢٠١٠ ــ ٢٠١٤ تم تهريب وتصدير ما قيمته ٥،٤ مليارات من الذهب (إلى دولة الإمارات العربية). ويشار إلى أن ٣٧،٧٪ من صادرات السودان لعام ٢٠١٦ كانت من الذهب، الذي بلغت إنتاجيته العام الماضي وفق أرقام الحكومة ٩٣،٤ طناً وفّرت للبلاد من العملة الصعبة ١،١٥٦ مليار دولار.
ووفق معلومات قبلية، فإن هلال كان يملك شركة تعدين خاصه به لكنها توقفت منذ مدة، وخاصة أنه اكتفى باقتسام حصة المنتج من الذهب في مناجم جبل عامر مقابل الحماية التي توفرها الميليشيا التابعة له للمعدنين التقليديين. ومن غير المستبعد أن يكون له شركاء نافذون في الحكومة من قادة الميليشيات الأخرى وأبرزها «قوات الدعم السريع».
وأخطر ما في قضية جبل عامر الصراع المسلح المحتمل بين القوات الحكومية لضمان موارد لميزانيتها المأزومة وميليشيا موسى هلال الساعية إلى ضمان مواردها من المال والسلاح، وهو صراع كاف لاندلاع جحيم جديد في المنطقة، ولا سيما أن دارفور بالأساس محتشدة بالسلاح بكل أنواعه بجانب نزاعات قبلية وجوار ليبي مشتعل، ويمثل ممراً لجرائم تبدأ بالاتجار بالبشر وتنتهي بتهريب الذهب والسلاح. وبما أن دارفور منطقة حرب، من يملك السلاح فيها يتحكم بكل شيء، بما فيه الذهب، فإن ثمة صراعاً مسلحاً مفتوحاً يقترب من الوقوع في جبل عامر، أو جبل الذهب.