■ بداية، هل يمكن أن تشرحي لنا وللقارئ العربي أهمية «الاتحاد العام التونسي للشغل» في تونس؟


لقد كان الاتحاد العام التونسي للشغل لفترة طويلة المنظمة النقابية الوحيدة في تونس، ويعود تاريخه إلى فترة الاستعمار (الفرنسي)، إذ لعب دوراً مهما جداً في النضال من أجل التحرر الوطني، وقد شارك بفاعلية من خلال تحالفه مع الحزب الدستوري الجديد (بزعامة بورقيبة) في بناء دولة ما بعد الاستقلال.

مع موجات «اللبرلة» المختلفة في السبعينيات والثمانينيات، بدأنا نشهد توجهاً نحو ابتعاد الاتحاد عن الحزب الحاكم، ومنذ ذلك الحين أصبح الاتحاد العام التونسي للشغل يمثّل مساحة مقاومة تكاد تكون الوحيدة ضد سيطرة السلطة، وقد شكّل ملجأ للنضالات الاجتماعية والسياسية في تونس.
وبالمقارنة مع نظرائه في مختلف الدول العربية التي عرفت حكماً استبدادياً (الجزائر ومصر على سبيل المثال)، يُعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية الوحيدة التي عملت على مقاومة الهيمنة المطلقة للنظام السلطوي.
من جهة أخرى، يُعتبر الاتحاد أيضاً المنظمة الأهم في تونس من الناحية العددية، إذ وصل عدد المنخرطين ضمنه إلى 750 ألف منخرط، أغلبهم من القطاع العام. وهي منظمة حاضرة على امتداد التراب التونسي، وفي جميع جهات البلاد، وتجمع طبقات اجتماعية مختلفة، تشمل الأطباء وعمال النسيج والمدرسين...
أثناء الثورة عام 2011، لعب الاتحاد دوراً مهماً من خلال دعم التحركات الاجتماعية. وبعد رحيل (زين العابدين) بن علي، كانت المنظمة النقابية في مركز التجارب المؤسساتية التي مكّنته، في ظل ضعف الدولة والأحزاب السياسية، من أن يكون حلقة الوصل بين الحركات الاجتماعية والنضالات السياسية والاقتصادية. وقد تمكن الاتحاد بفضل الحوار الوطني (عام 2013) من ضمان نوع من الاستقرار السياسي الذي ساهم في نجاح «عملية الانتقال الديموقراطي». لكن جدير بالذكر، أنّ هذا الاستقرار السياسي الذي مهّد إلى تقاسم الحكم بين «حركة النهضة» و«نداء تونس»، لم ينجح في معالجة المسائل الاجتماعية والسياسية.

■ في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي غير المستقر الذي تعرفه تونس، وما نجم عنه من تحركات احتجاجية مستمرة في عدد من المناطق، أي أهمية يكتسب مؤتمر «الاتحاد»؟


يكتسب هذا المؤتمر أهمية كبرى لوجود تحديات داخلية وخارجية مطروحة أمام الاتحاد. وترتبط التحديات الخارجية بما سبق أن أشرت إليه بخصوص المشهد السياسي الحالي والمسألة الاجتماعية ومسألة البطالة وقضية الفوارق الجهوية التي لم تتم معالجتها والتي تتواصل في ظلها الاحتجاجات الاجتماعية. ومن خلال عرض سريع للمشهد التونسي، نلاحظ ضعفاً لدى الأحزاب السياسية، فيما يزداد دور الدولة هشاشةً. وعلى المستوى الاقتصادي، لا بد من الإشارة إلى أنّ مؤتمر الاستثمار الأخير (الذي نظمته الحكومة في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي) أخفق في جلب شيء جديد، وخاصة أنّ الاهتمام كان منصباً على جذب المستثمرين الأجانب دون أدنى مراجعة أو إعادة نظر في النموذج الاقتصادي الذي جرّ كل هذه التبعات منذ عهد بن علي.
إذاً، هذا الواقع السياسي والاقتصادي يدفع نحو طرح مسألة التحديات الخارجية. فبينما كان اتحاد الشغل قد ساند منخرطيه وبالأخص الطبقات الوسطى المنظمة خلال كل الفترة التي تلت رحيل بن علي، وكانت مسألة زيادة الأجور مسألة مركزيّة لديه، فإنه يجد نفسه حالياً منقسماً (بالعموم) بين مجموعتين: مجموعة تعتقد بأن المنظمة النقابية يجب أن تهتم حصراً بالدفاع عن مصالح منخرطيها (زيادة الأجور وما إلى ذلك)، ومجموعة ثانية تقول إنّ الاتحاد يجب أن يلعب دوراً مهماً في مقاومة موجة الليبرالية التي تفرضها الجهات المانحة وحكومة يوسف الشاهد وتربط نضالاتها أكثر بنضالات العاطلين من العمل. كما تعتقد المجموعة الثانية بأنّ على الاتحاد طرح بديل اقتصادي والتصدي للموجة الليبرالية الجديدة والعودة إلى دوره التاريخي كفضاء (مساحة) للتمكين السياسي والاجتماعي، وخاصة في ظل التراجع الراهن لدور وفعالية الأحزاب السياسية اليسارية، وفي ظلّ تَضخّم دور المنظمات غير الحكومية الدولية التي أصبحت تمثّل وسيطاً بين الجهات المانحة والحكومة.

■ بناء على ما تقدّم، هل تشيرين إذاً بحديثك عن «التحديات الداخلية» إلى تلك المتعلقة بمسألة إعادة تشكيل هياكل «الاتحاد» التي من شأنها تهديد مركزية قراره؟

التحدي الداخلي الذي تحدثت عنه يتمثل في إعادة الهيكلة بطريقة تتماشى مع تطوّر المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي (على وجه الخصوص التعددية النقابية والتعددية السياسية والتمثيلية في القطاع الخاص والعلاقة بالحركات الاجتماعية الجديدة)، ما يقود إلى ضرورة إعادة النظر في النظام الداخلي.


تعتقد مجموعة في الاتحاد بأنّه يجب طرح بديل اقتصادي والتصدي للموجة الليبرالية

يُضاف إلى ذلك، وجوب إعادة النظر في آليات القرار داخل هياكل الاتحاد، وهو موضوع جدلي، إذ تاريخياً، كانت مركزية القرار داخل اتحاد الشغل مناطة بالمكتب التنفيذي الذي يعدّ صاحب القرار النهائي، ووفقاً لذلك، فإنّ أي قرار إضراب لأي مكتب جهوي أو قطاعي، على سبيل المثال، يتطلّب موافقة المكتب التنفيذي. هذه التركيبة هي التي جعلت الاتحاد يخضع، بنسب متفاونة، لسيطرة الحزب الحاكم أثناء حكم بن علي.
والمسألة المطروحة حالياً داخل الاتحاد هي مسألة دعم الآليات الديموقراطية بصورة تجعلُ القطاعات أو الجهات تحظى بحد أدنى من استقلالية القرار. إلا أنّ هذا الأمر يطرحُ إشكالاً برأيي: صحيح أن مركزية القرار سمحت للحزب الحاكم في فترة ما بالسيطرة النسبية على الاتحاد، لكن مركزية القرار هذه هي التي حمت من جهة أخرى اتحاد الشغل من الأزمات الداخلية والخارجية.
وبالتالي، فإنّ المعادلة الصعبة المطروحة حالياً: كيف يمكن إفساح المجال أمام توسيع المساحة الديموقراطية داخل الاتحاد، وفي الوقت نفسه السيطرة على أي انفجار مطلبي على المستوى القطاعي، وعلى خطر انفصال بعض النقابات القطاعية على سبيل المثال.

■ في ظل كل هذه التحديات والتوجهات الليبرالية الجديدة للحكومة، هل هناك خشية على دور الاتحاد في تونس؟

للإجابة عن هذا السؤال، أعيد التأكيد على أهمية إعادة النظر في النظام الداخلي لاتحاد الشغل وعلى إعادة الهيكلة.
اليوم، هناك تركيز كبير (في تونس) على الجانب الانتخابي الخاص بالمؤتمر، وعلى الأسماء التي ستدخل إلى المكتب التنفيذي الجديد، وهذا ليس بهذا القدر من الأهمية، إذ إن تسعة من بين الأعضاء الـ 13 الحاليين سيكونون موجودين داخل المكتب الجديد، وهناك سعي للخروج بقائمة توافقية.
الأهم يتمثل بالقرارات التي ستنبثق عن هذا المؤتمر، أي ما سبق أن ذكرناه لناحية إعادة الهيكلة وإعادة النظر في النظام الداخلي، فهي التي ستحدد الموقع الجديد للاتحاد في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي التونسي الجديد. وهذه القرارات هي التي ستحدد قدرة اتحاد الشغل على التكيّف مع هذا المشهد الجديد. وإذا واصل بطريقة العمل نفسها، فمن شأن ذلك أن يعرّضه لخطر التجاوز من قبل نقابات أخرى.
تخوفي الفعلي ليس على موقع الاتحاد، فهو موجود. لكن يجب القول إنّ تطوّر الاتحاد مرتبط بتطور المشهد التونسي، وخاصة أننا نعيش في ظرف يكاد أن تغيب خلاله الدولة التي أصبح دورها هشاً إلى حد أن الاتحاد وجد نفسه أحياناً يتفاوض مباشرة مع «منظمة الأعراف» (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة) وليس مع الدولة كمحاور ومعدّل يفترض أن يكون له دور منظم للمفاوضات الاجتماعية. هناك إذاً عوامل مرتبطة بالاتحاد يمكن أن يطوّر نفسه من خلالها، وعوامل مرتبطة بالمشهد السياسي العام يمكن أن تؤثر على موقع الاتحاد.
ولعلّ عملية إعادة الهيكلة ملحة لأنه من خلال لمحة سريعة على الحركات الجماعية الناشئة والتحركات الاجتماعية الجديدة التي تتميّز بنظرتها الجديدة للفعل السياسي، نجد أنها تقطع من الناحية التنظيمية والفكرية مع المجموعات السياسية التقليدية، وتقطع كذلك مع الهيكليات الهرمية.




شهدت تونس بعد 2011 نقاشات طويلة حول دور «اتحاد الشغل» لما له من ثقل في المجتمع (والمجال السياسي أيضاً). ارتفعت حدة النقاشات خاصة بعد رعاية «الاتحاد» (إلى جانب ثلاث منظمات أخرى) الحوار الوطني الذي انعقد إثر أزمة عام 2013. وربما تختصر يوسفي أسباب الجدال والنقاشات حول دور «الاتحاد»، حينما تصفه بأنه «أكثر من نقابة كلاسيكية، وشيء آخر عن الحزب السياسي». ولعلّ خلاصة الكتاب أنّ «الاتحاد»، الذي نجح في الحفاظ على شيء من الاستقلالية في تونس ما قبل 2011، هو مدعوّ اليوم إلى التطوير حتى لا يجري تجاوزه.