أستانة | لا يعبّر مؤتمر أستانة سوى عن «رعاية» مختلفة دولياً للحرب السورية عبر تثبيت روسيا حضورها المحوري وإدخال تركيا برتبة شريك ناقص إلى جانب الحليف الإيراني. ما سيرشح عن المحادثات السورية ــ السورية، تتحضّر ورقته النهائية في غرفة جانبية لثلاثي «ما بعد اتفاق حلب». في الشكل، ليس من المتوقّع أن تفشل محادثات من بند واحد هو تثبيت وقف إطلاق النار، والاتفاق على آليات التنفيذ عبر ترسيم حدود القوى ثمّ مشاركتها جميعاً في الحرب ضد «القاعدة» و«داعش».


ما سيصطدم به الرعاة هو ما بعد الأستانة، أي المشكلة القديمة المتمثّلة في فصل مناطق «جبهة النصرة» وحلفائها عن باقي المجموعات المسلحة، واشتراك هؤلاء في قتال «القاعديين». الخرائط المنتظرة لخطوط التماس والاشتباك ستكون الاختبار الأساسي للفصائل ومن خلفهم تركيا، كما لرد فعل «جبهة فتح الشام» دور أساسي في تبلور شكل المرحلة المقبلة.
ويشير الحراك الدبلوماسي المكثف ضمن تحضيرات محادثات أستانة التي ستنطلق اليوم عند الساعة الواحدة من بعد ظهر اليوم بتوقيت كازاخستان، إلى أن الدول الراعية لتلك المحادثات عازمة على التوافق على صيغة واحدة متفق عليها، يتمّ إخراجها إلى العلن من على طاولة المحادثات.


اتهم علوش دمشق وطهران بمحاولة عرقلة انتقال روسيا إلى «دور حيادي»

وسيمثّل هذا المؤتمر فرصة لتتويج الجهود الميدانية والمفاوضات الموازية التي رافقتها، خلال الأشهر الأخيرة بين موسكو وأنقرة وطهران، والتي تبلورت نتائجها في مدينة حلب وصيغت كاتفاقية رسمية في أوراق «إعلان موسكو» الذي كرّس العواصم الثلاث كضامنة للاتفاقات المستقبلية السورية.
وكما كانت العراقيل التي واجهت تسوية حلب عبارة عن عقبات آنية لم تؤثّر على سير الاتفاق الذي تم التفاهم عليه مسبقاً، فإن الخطوط العريضة لاتفاق أستانة لن تتأثر بعقبات المحادثات التقنية.
لكن، سيبقى تقويم نجاح الاجتماع من عدمه رهينة التطورات المستقبلية وقدرته على تحقيق خطوة مهمة نحو تنسيق سوري ــ سوري مشترك ضد المجموعات الإرهابية من شأنه أن يؤسس حاملاً انتقالياً لأي حل سياسي مستقبلي. وتشير المعطيات الأولية إلى استعداد مبدئي لتلك الصيغة، وهو ما ظهر للمرة الأولى في تصريحات رسمية سورية على لسان رئيس الوفد السوري إلى أستانة بشار الجعفري، الذي أكد جاهزية دمشق لتحديد خطوط وقف إطلاق النار والعمل على فصل المعارضة و«تنسيق قوائم مشتركة للعمل معاً ضد الإرهابيين».
وشهد يوم أمس اجتماعات تحضيرية مكثّفة عقدتها الدول الراعية للمحادثات عقدت تباعاً على مدى اليومين الماضيين، وهدفت إلى إقرار أجندة المباحثات وآلية سيرها، وصولاً إلى وثيقة نهائية مشتركة بين الأطراف الثلاثة، الروسية ــ الإيرانية ــ التركية.
وبرغم انعقاد لقاء ثلاثي مشترك استمرّ حتى وقت متأخر من ليل أمس، ورافقته لقاءات ثنائية منفصلة، لم يتم الإعلان عن التوصل إلى صيغة نهائية لما ستكون عليه جولة المحادثات اليوم، باستثناء الإطار الزمني والبروتوكولي، إذ يفترض أن تبدأ المحادثات بكلمة ترحيب للرئيس الكازاخي نور سلطان نزربايف، تليها كلمات الدول الثلاث «الضامنة» للاتفاق، ومن ثم كلمة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، ومداخلة للسفير الأميركي جورج كرول، لتعطى بعدها الكلمة إلى الوفدين السوريين.
وبالتوازي مع وصول الوفدين السوريين الحكومي والمعارض إلى أستانة، أمس، التقى الوفدان الروسي والإيراني في اجتماع ثنائي استمرّ لمدة قصيرة، تلاه انضمام الوفد التركي إلى طاولة الاجتماع المغلق. ومثّل البلدان الثلاثة في الاجتماع الذي استمر ما يزيد على خمس ساعات متواصلة، كل من رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الروسية سيرغي فيرشينين، والمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف، إلى جانب نائب وزير الخارجية الإيراني حسين جابري أنصاري، ونظيره التركي سادات أونال.
ولدى نهاية الاجتماع، أشار جابري أنصاري إلى أن «أجندة الاجتماع غداً جاهزة تقريباً، غير أن هناك عدة صعوبات ستحل قريباً»، وفي معرض رده على سؤال أحد الصحافيين حول المحادثات المباشرة، قال إن «هذه القضية لم تحسم بعد». من جانبه، أكد رئيس الوفد الروسي لافرينتيف أن موسكو تعمل على «تقريب وجهات نظر الأطراف»، مشيراً إلى أن «العمل مستمر على إنجاز وثيقة ختامية، ومن المرجح أن يتم حل المسائل العالقة يوم غد (اليوم)».
وعقب انتهاء الاجتماع الثلاثي، التقى الوفد الروسي بشكل منفصل مع نظيريه السوريين، الحكومي برئاسة بشار الجعفري، والمعارض برئاسة القيادي في «جيش الإسلام» محمد علوش.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المشاورات التحضيرية حول طبيعة المحادثات والمدى الذي سيصل إليه الوفدان في التوافق على جدول أعمالها، كان لافتاً ما أوضحه رئيس الوفد السوري أثناء حديثه إلى عدد من الصحافيين على متن الطائرة التي تقل الوفد إلى أستانة، حول أجندة الاجتماع، إذ قال إنها تتمحور حول «مجموعة من النقاط، وهي تثبيت خطوط وقف الأعمال القتالية وفصل المجموعات الإرهابية مثل (داعش) و(جبهة النصرة) وغيرهما عن المجموعات التي قبلت اتفاق وقف الأعمال القتالية، وقبلت بالذهاب إلى أستانة، إلى جانب التوصل إلى قوائم مشتركة بين الحكومة والجيش السوري والمجموعات المشاركة في المحادثات، بخصوص محاربة الإرهاب معاً»، معتبراً أن «هذا سيكون امتحاناً لصدقية وجدية المشاركين، سواء الذين سيكونون على الطاولة أو مشغليهم».
وحول الدور التركي في أستانة، قال الجعفري إنه «بالنسبة لنا وحتى بالنسبة لأصدقائنا الروس والإيرانيين، التركي لا يشارك ولا أحد آخر يشارك في الاجتماع، فهو عبارة عن حوار سوري ــ سوري بين سوريين من دون تدخل خارجي أو شروط مسبقة باستثناء القواسم المشتركة التي تحدثنا عنها والتي من المفترض أن تكون على جدول الأعمال». ولفت إلى أن الاجتماع «فني» ولن يتطرق إلى قضايا سياسية بل «سيناقش النقاط المدرجة على جدول أعماله فقط، على أمل أن يكون نقلة باتجاه العمل السياسي لاحقاً».
وفي حديث إلى وكالة «رويترز»، اتهم رئيس الوفد المعارض محمد علوش، دمشق وطهران بمحاولة عرقلة انتقال روسيا إلى «دور حيادي». وقال إن «روسيا تريد أن تنتقل من طرف مباشر في القتال إلى طرف ضامن وحيادي، وهذه نقطة تصطدم فيها بالنظام الذي يريد إفشالها ودولة إيران». وأشار إلى أن عدم تمكن موسكو من الضغط على إيران وسوريا لوقف ما وصفه بـ«انتهاكات واسعة النطاق» لوقف إطلاق النار، سيوجه ضربة «للنفوذ الروسي» في سوريا.
وأشارت التصريحات التي خرجت يوم أمس إلى أن قضية المحادثات المباشرة واجهت عقبات عدّة خلال التحضيرات للاجتماع المنتظر، وهو ما انعكس على تصريحات الوفد المعارض الذي عاد للقبول أمس ــ بإيعاز تركي ــ على لسان المتحدث باسمه يحيى العريضي، بمحادثات مباشرة شريطة قبول «الطرف الحكومي بها»، بعدما كان قد أعلن رفضه مثل تلك المحادثات.
كذلك بقيت المشاركة الأميركية واحدة من القضايا التي احتلت جزءاً مهماً من مشهد التحضيرات للمحادثات، على خلفية تباين وجهات النظر بين طهران وموسكو حولها، والذي ظهر في تصريحات عديدة؛ كان آخرها للمتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، قال فيه إن «الوضع غاية في التعقيد، في وجود إيران كلاعب مهم في المسألة السورية، وعدم ترحيبها بالولايات المتحدة». وقد تكون صيغة المشاركة الأميركية الباهتة في المحادثات مخرجاً جيداً لعدد من الأطراف المعنية بهذا الموضوع، فبينما يراعي تهميش الدور الأميركي وحضوره بصفة «مراقب» الحساسية الإيرانية، فهو يضمن في الوقت نفسه المزيد من الوقت لإدارة الرئيس الجديد دونالد ترامب، لصياغة موقفه الخاص تجاه القضية السورية.
ومع انتظار نتائج اليوم الأول لمحادثات، فإن مخرجات هذا اللقاء في حال كتب لها النجاح ستقدّم إنجازاً ميدانياً مهماً، من شأنه أن يمهد لجولة المحادثات التي دعا إليها دي ميستورا في جنيف. وضمن هذا الإطار، رأى كبير مستشاري الرئيس التركي يالتشين توبتشو، في حديث بثته قناة «خبر 24» التركية أول من أمس، أن «عملية أستانة حدث تاريخي سوف يدفع بإحياء السلام والاستقرار في سوريا والعراق والشرق الأوسط».