رفض آلاف الفلسطينيين خلال مظاهرة عرعرة، التي خرجت يوم السبت الماضي في الأراضي المحتلة عام 1948 تحت شعار التصدي لهدم البيوت، التزام قرار «لجنة المتابعة» و«القائمة المشتركة» والجلوس مكتوفي الأيدي للاستماع إلى الخطابات السياسية.


انقسم المتظاهرون إلى مجموعتين: أعضاء «المتابعة» و«المشتركة» ومعهم آلاف آخرون أكملوا البرنامج كما كان مقرراً، والثانية تكونت من آلاف الشبان الذين توجهوا في طريق آخر أخرى «شارع 65»، فأغلقوه بوجه السيارات، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بينهم وبين الوحدات الخاصة والخيالة الإسرائيلية، حيث تصدوا بصدورهم العارية لقنابل الغاز المسيل للدموع وللرصاص المطاطي ولسيارات ضخ المياه العادمة.
الهتاف البسيط، الذي رفض به الشبان التزام برنامج اللجنة، عبّر بصورة واضحة عن الفجوة القائمة بين رأس الهرم وبين الشارع، فالأخير لم يعد يحتمل التعامل مع إسرائيل على قاعدة أنها دولة تنقض حق مواطنيها، وأن الكنيست هو المكان الشرعي الذي تنتزع فيه هذه الحقوق، أو أن يكون ذلك بالتظاهرات السلمية. الشارع، الذي يمثله الشباب، لم يكتشف نزعته الثورية المتمردة اليوم، بل هو اختبر ذلك سابقاً في أحداث يوم الأرض وأحداث الروحة وهبة أكتوبر، ثم التصدي لـ«مخطط برافر»، لذلك لم يكن مفاجئاً أنه اختار إعلاء سقفه النضالي ورفض قرارات القيادة السياسية (التي انتخبها)، والامتثال إلى المقاومة بالجسد الفلسطيني الأعزل، المهدد بالقتل في حال قرر التصدي لهدم بيته.
رافق خروج الشارع عن «قانون القيادة» مطالبات شعبية باستقالة أعضاء الكنيست العرب من مناصبهم بدعوى أن بقاءهم في ذلك المنصب «لن يقدم أو يؤخر، بل يكرس شرعية للاحتلال ويساهم في إظهار ديموقراطيته أمام العالم». وفي سؤالٍ عن خيار الاستقالة، طُرح على النائبة عن حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» حنين زعبي خلال مقابلة تلفيزيونية، أجابت الأخيرة أنها «بشكل شخصي تؤيد الاستقالة الجماعية، كما تؤيد مقاطعة جلسات الكنيست لأسابيع كاملة، وأنها مع ابتكار أساليب جديدة للنضال بناء على التفكير خارج الصندوق». لكن جواب زعبي يخالف معلومات وصلت «الأخبار» تفيد بأن «الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة»، التي يرأس نائبها أيمن عودة «القائمة المشتركة»، ترفض إلى جانب «الحركة العربية للتغير»، التي يتزعمها أحمد الطيبي، مجرد طرح فكرة الاستقالة.
أيضاً، قال النائب جمال زحالقة لـ«الأخبار»، إن «موضوع الاستقالة من الكنيست ومقاطعته عموماً مطروح دائماً في التجمع، لكننا نزن الأمور سياسياً ومدى نضوج البدائل... قرارنا كان أن كفة المشاركة أرجح». وأضاف زحالقة: «في الأيام الأخيرة طرح الشباب الموضوع، وهذا أمر طبيعي نظرا إلى كم الغضب على ما يجري... نحترم رأي الشباب ونحاورهم في ما هو مصلحة شعبنا».
لكن، ما هي الامتيازات المادية والمعنوية التي يحظى بها هؤلاء النواب مقابل البقاء في مناصبهم، وهل هي أحد الأسباب التي تمنعهم من الاستقالة الجماعية؟ يتمتع النواب وفق الموقع الرسمي لـ«الكنيست» بظروف ممتازة تتضمن راتباً شهرياً إجمالياً يصل إلى 10,340 دولاراً، لكنه ينخفض بعد خصم الضرائب والتأمين الصحي إلى نحو 5300 دولار شهرياً، فيما يبلغ سنوياً 63,600 دولار (بعد خصم الضرائب كافة)، وهو أيضاً ما أثبتته عضو الكنيست من «المعسكر الصهيوني» شيلي يحموفيتش، عندما نشرت إفادة راتبها على صفحتها في «فايسبوك».
كذلك يحصل عضو الكنيست على سيارة مستأجرة وميزانية سنوية تقدر بـ18,380 دولار من أجل التواصل مع الجمهور، ولشراء الحواسيب والأثاث وغيرها، كما يُمنح مصروفاً لشراء الألبسة بمبلغ 1,150 دولاراً، ومبلغاً مماثلاً من أجل تعلم لغة أجنبية، بالإضافة إلى جهاز خليوي مرفق به مبلغ 7,432 دولاراً سنوياً لتمويل فواتيره، والاشتراك في صحيفتين اثنتين، وجهازي هاتف أرضي، ونفقات لإرسال 15 ألف طرد بريدي سنوياً. كذلك يستطيع الأعضاء السفر إلى الخارج عند الحاجة بتمويل من الكنيست إذا كانوا يسافرون في مهمة برلمانية، أما إذا كانوا يسافرون في مهمة إعلامية رسمية، فيأتي تمويل السفر والإقامة من ميزانية وزارة الخارجية الإسرائيلية.
وتحت تصرف كل عضو كنيست يُوضع مكتب يتألف من غرفتين في مقرّ البرلمان مجهزتين بالأثاث وبثلاثة حواسيب نقالة وبطابعة وبثلاجة صغيرة وبجهاز تلفاز، كما يخصص لكل عضو ثلاثة مساعدين برلمانيين (بإمكانه استبدال مساعدين بحارسين اثنين). أما العضو الذي يرأس لجنة برلمانية، فيستحق ثلاثة مساعدين، ويبلغ الراتب الشهري لكل منهم ما بين 2,250 و2,570 دولاراً.
في هذا الإطار، يرى الأمين العام لـ«حركة أبناء البلد»، رجا إغبارية، أن رفض نواب «المشتركة» تقديم استقالتهم لا ينبع من رغبتهم في رفض التخلي عن تلك الامتيازات، إنما من «موقفهم المبدئي إزاء مجمل الصراع الفلسطيني ــ الصهيوني». فإغبارية، الذي ترفض حركته المشاركة في الكنيست، قال لـ«الأخبار»، إن «رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، قد أجاب بنفسه خلال خطابه في مظاهرة عرعرة الأخيرة عن السؤال بالقول إن الأصوات التي تطالب بالاستقالة بشكل جماعي رداً على جرائم الهدم هي أصوات تمثل موقفاً غير مسؤول».


يحصل النائب على امتيازات
سخية وراتب سنوي يصل
إلى 63 ألف دولار



وكان بركة قد صرخ متساءلاً خلال خطابه: «هل تريدوننا أن نخلي الساحة للأحزاب الصهيونية؟ إذا تركنا الكنيست سنناضل أكثر؟ لن نخلي الساحة وسنستمر في معركتنا من الكنيست وكل الساحات، وموقفكم هذا يمثل موقف كل الأعضاء الصهاينة من القائمة المشتركة».
تعليقاً على ذلك، رأى إغبارية أن «جميع أحزاب القائمة حسمت أمرها بشأن الاعتراف بشرعية وجود إسرائيل ونهائية مصير فلسطينيي الـ48 داخل هذا الكيان، لذلك هي لا تريد الاستقالة». وأضاف أن هذا «ينسجم تماماً مع موقف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وكذلك موقف حماس كما تؤكد الاتفاقات الفلسطينية برمتها... رغم أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا تزال تتمسك بالمنظمة، وحماس والجهاد الاسلامي تريان أن حل الدولتين هو حل مرحلي... يمثل هذا الإجماع المتناغم الوضع الرديء الذي وصلته الحالة الفلسطينية منذ اتفاقات أوسلو التدميرية».
وتابع إغبارية: «هذا أعطى مبرراً وتشريعاً لوجود الفلسطينيين داخل الكنيست، رغم أن نسبة كبيرة من الـ48 تقاطع انتخابات الكنيست على قاعدة رفض إعطاء شرعية للكيان الصهيوني ومؤسسات دولته الكولونيالية العنصرية»، كما شدد على أن «اتفاقية أوسلو أخرجت فلسطينيي الـ48 من دائرة حل القضية، ما أعطى قوة لموقف الأسرلة السياسية والمدنية للقائمة المشتركة في التمسك بالكنيست حتى لو هدمت إسرائيل مئات آلاف البيوت».
ورغم أن إغبارية يدعو إلى مقاطعة الكنيست، على اعتبار أن ذلك يمثل إعلاناً لرفض الشرعية الإسرائيلية، فإنه يرى أن الموقف الشعبي الذي يطالب النواب العرب بالكنيست الآن غير مهم، «لأن المعنيين بالأمر لن يصغوا... كما فعل محمد بركة». واستدرك: «نحن المقاطعون للانتخابات ليس لنا حق بمطالبتهم بالاستقالة لأننا لم ننتخبهم، بل عملنا على تجنب ذلك».
بالنسبة إلى «أبناء البلد»، التي تقف على رأس معسكر المقاطعين لانتخابات الكنيست، هي تدرك وفق إغبارية «حقيقة أن نواب المشتركة جزء من النسيج السياسي الإسرائيلي الذي يفتخر به بنيامين نتنياهو أمام العالم، فهو يصرح أن ما يسميه عرب إسرائيل هم العرب الوحيدون في المنطقة الذين ينعمون بالديموقراطية، وعرب الكنيست يؤكدون ذلك بمجرد استمرارهم في قبول لعبة الديموقراطية الإسرائيلية».




إسرائيل ترضخ لمطالبات تسليم جثمان أبو القيعان

قررت «المحكمة العليا الإسرائيلية»، مساء أمس، الاستجابة لمطالب عشرات الحقوقيون الفلسطينيون الذين تظاهروا أمام مبناها في القدس المحتلة، وكانوا قد تابعوا التماساً قدمه مركز «عدالة» ومؤسسة «الميزان» يطالب شرطة العدو بتسليم جثمان أبو القيعان إلى عائلته لدفنه، وذلك دون أي قيد أو شرط، علماً بأنه جثته كانت محتجزة منذ نحو أسبوع بعدما قتل برصاصها أثناء هدم بيته في قرية أم الحيران.
تزامن ذلك مع خروج آلاف الفلسطينيين، أمس، في مسيرة سيارات انطلقت من مدينة قلنسوة في الأراضي المحتلة عام 1948 باتجاه القدس، وذلك للتنديد بجرائم هدم البيوت التي ارتكبتها سلطات الاحتلال مؤخراً، وللمطالبة بتحرير جثمان الشهيد يعقوب أبو القيعان.
وكانت المسيرة، التي أقرتها «لجنة المتابعة» خلال اجتماعها الأخير، قد انطلقت من قلنسوة لتغلق أكبر شوارع فلسطين المحتلة، الرابط بين شماليها وجنوبيها (شارع رقم 6) وتشل حركة السير فيه، قبل أن تصل أخيراً إلى مبنى الكنيست في القدس، حيث طالب المتظاهرون بتحرير جثمان أبو القيعان، رافعين الأعلام السوداء وصور الشهيد.