اللاذقية | بإمكان زوار الساحل السوري أن ينظروا إليه ــ بعكس ما يشاع عنه بوصفه مركز «التشبيح» ــ على اعتباره قدّم مئات من المعارضين «العتيقين»، منهم عبد العزيز الخير وميشيل كيلو وفاتح جاموس، وآخرون. هذا الوجه بدوره، لا يقلّ وضوحاً عن كون الساحل مركزاً للفقراء وعوائل الشهداء وخزان إمداد الجيش السوري بقواته.


في منزل فاتح جاموس المتواضع، وسط قرية بسنادا، يمكن أن تلاحظ كل هذه الوجوه مجتمعة ضمن حديث الرجل الذي يرى الأمور من كل زواياها، بحكمة سياسي عتيق. اتهمه بعض المعارضين بمهادنة النظام، لكونه بقي داخل البلاد، وشارك في عدة مؤتمرات وجلسات حوارية ــ آخرها «منصة دمشق» ــ تضمّنت أطرافاً مؤيدة للنظام، وأُخرى «محسوبة» عليه تحت مسمى «معارضة وطنية» ممثلة بأحزاب مستحدثة خلال الحرب السورية. جاموس يقولها علناً: «لن أخرج من البلاد»، رافضاً المعارضة «الرعناء» التي تتواجه مع النظام بالعنف وتجرّ البلاد إلى مصير دامٍ.
الوصول إلى منزل جاموس ليس صعباً، فأهالي قريته يعرفونه جيداً ومعظمهم تابعوا مسيرة نضاله الطويلة التي قضى 20 عاماً منها في المعتقلات. وبرغم أن الرجل أشرف على السبعين من عمره بوضع صحي سيئ، غير أن «نداء المعتقل» لم يخفت أبداً مع مواصلته لممارسة السياسة وإصراره على القول: «سأبقى شيوعياً طيلة حياتي». وعلى الرغم من «السمعة السيئة» التي حاولت السلطة تثبيتها ضد الماركسيين وغيرهم من أطياف اليسار السوري في الساحل تحديداً، غير أن الوضع تغيّر قليلاً في بسنادا، وأصبح الأهالي أكثر وعياً في تقبل أمثال جاموس ممن وقع عليهم «ظلم كبير»، مقارنة بالتطرف الذي دمر البلاد خلال الحرب الأخيرة.
القرية الصغيرة التي قدمت معارضين عنيدين ضد السلطة، أمثال جاموس وعارف دليلة وعادل نعيسة، حضنت أسوأ أيام هؤلاء أيضاً، حتى إن أحد أبنائها حاول التعرض لجاموس بالضرب مع بدء الأحداث في البلاد عام 2011، بحجة أنه «معارض يريد خراب البلاد».

«لا أحد خارج مظلة الاعتقال»

يعود المعارض جاموس ليواجه مصيراً مشابهاً لما واجهه سابقاً، بعدما تم استدعاؤه إلى محكمة جنايات دمشق قبل أيام. التهمة الجاهزة له (إثارة النعرات الطائفية ووهن نفسية الأمة) على خلفية نشاط سياسي قام به ضمن عواصم أوروبية عدة، منذ عام 2006. هذا النشاط تسبب باعتقاله لستة أشهر منذ 11 عاماً، كانت من أصعب فترات الاعتقال، وفق وصفه. وتم «وضع أوراقه في الدرج» بعد نقل الملف إلى محكمة اللاذقية لتنام القضية. ومع جلسات الحوار الأخيرة في جنيف، تم استدعاء جاموس مجدداً، وتحويل ملفه إلى قضية جنايات. وبعد التدقيق في توقيت تحريك القضية، تبيّن أنه أتى بعد 4 أيام من قضية مقتل العقيد حسان الشيخ، ابن قرية بسنادا، على يد سليمان هلال الأسد، قبل أكثر من عام. ولا يخفى على أحد الدور الذي قام به جاموس خلال الاعتصام السلمي الذي نظمه أبناء القرية وشارك فيه الكثير من أبناء اللاذقية، عند دوار الزراعة. ويعتبر جاموس أن مسألة محاكمته لا تعدو كونها «ثأرية تأديبية» من قبل بعض من استفزهم دوره بعد مقتل العقيد الشيخ، الذي لم يكن سوى مطالبة بتطبيق القانون والعدالة في القضية.


يؤجّر غرفاً من منزله بهدف تأمين متطلبات الحياة البسيطة
يقول جاموس: «لا نية لديّ للتعرض للاعتقال مجدداً، وأفضّل أن أبقى حراً». ويؤكد أنه في ضوء وضعه الصحي السيئ المتمثل بموت نصف العضلة القلبية لديه، وفق وصف طبيبه المعالج، فقد آثر مقاطعة الجلسة، خشية الاعتقال المحتوم. ويضيف: «لا أحد خارج مظلة الاعتقال. وأنا مطّلع على أوضاع السجون في ظل الحرب، التي أصبحت أكثر سوءاً من السابق، ما لا يناسب وضعي الصحي أبداً. وأخشى ما أخشاه تعميم اسمي على الحواجز الكثيرة المنتشرة في البلاد، ليتم اعتقالي خلال تنقلاتي». يتابع وزير العدل بنفسه ملف جاموس، في محاولة للاهتمام بقضيته التي تحولت خلال أيام إلى قضية رأي عام حتى بين معارضين في الخارج، من أمثال لمى الأتاسي وزياد قباني اللذين تضامنا معه عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

الروس والشاهد على اختفاء الخيّر

لا يتحدث عضو «جبهة التغيير والتحرير» عن محاكمته فقط، بل يتجاوز ذلك إلى نفي ما يشاع عنه في أوساط معارضة عن محاولة تلميع السلطة له من خلال التهديد الجديد بالاعتقال، إيذاناً بتسليمه منصباً وزارياً ما. ويشير الرجل إلى منعه من العمل بحكم اعتقاله السابق، وتأجيره غرفاً من منزله المتواضع بهدف الحصول على متطلبات الحياة البسيطة.
ويتحدث مستفيضاً عن المعارض المغيّب عبد العزيز الخيّر، رئيس مكتب العلاقات الخارجية لـ«هيئة التنسيق» المعارضة، إذ يسأل عنه في كل المناسبات واللقاءات مع «الأصدقاء الروس» مثل (وزير الخارجية الروسي سيرغي) لافروف و(نائبه ميخائيل) بوغدانوف، ليطّلع على كل جديد في ملف «رفيق نضاله». ويرفض اتهام جهة ما بالوقوف وراء إخفاء الخير، موضحاً: «لا مقاربة سياسية للاتهام، إذ إن للملف وقائع جرمية خاصة به. الأصدقاء الروس لا جديد لديهم إلا ما تقوله هيئة التنسيق. وهم مستعدون لتهريب (شاهد) هيئة التنسيق الوحيد الذي لديه ما يقوله في قضية عبد العزيز، وفق كلام أعضاء الهيئة. غير أن الهيئة لأسباب تتعلق بها لا تقدّم شاهدها الوحيد للإدلاء بشهادته، بحجة خشيتها على حياته».
وخلال حديث جاموس المستفيض، تسقط عدة قذائف في أماكن قريبة، مصدرها المسلحون المتمركزون في أقصى نقاط الريف الشرقي المتصل مع ريف إدلب. ويتبيّن لاحقاً أن القذائف سقطت على أراض زراعية تابعة لقرية المشيرفة القريبة من بسنادا، غير أنها لم تقاطع الحديث أبداً، ولم تستوقف سكان المنزل للتعليق. ولدى سؤال جاموس عن أصوات الطائرات الروسية التي لا تهدأ في سماء المدينة، يعلق بإجابة «سوفياتية» جريئة: «أشعر بالأمان عند سماع صوتها. وهو ما أشعر به لدى رؤيتي عناصر الجيش السوري في نقطة ما». يقطع الحديث ضيوف من أبناء القرية جاؤوا لزيارة جاموس بعد قضية محاكمته الأخيرة، فيقول أحدهم ضاحكاً عند الباب: «جئنا لنتضامن معك».




بسنادا... عام على التفجير

يمكن الوصول إلى قرية بسنادا، شمالي شرقي اللاذقية، عبر مفارق ضيقة من حي المنتزه الشعبي المتصل بأطراف القرية. هُناك حيث تنامت ظاهرة بناء المخالفات وآثار هدم بعضها في الوقت نفسه، لا أحد يسأل عن الأسى المخيّم على الملامح ولا عن الفقر الذي يطويه أهل الحي قبل نومهم، حزناً على ما آلت إليه حياتهم بعد الحرب. منازل الشهداء هي الأكثر إثارة للأسى، إذ إن صور أبنائهم الشهداء لا تخفي مظاهر البؤس التي تغطي جدران أبنيتهم، ولا تغطي حتى الأسلاك الكهربائية المتشابكة التي تخرج من جميع الثقوب في أبنية الحي بشكل عشوائي. بيوت فقيرة متلاصقة تتكاتف في ما بينها لدرجة سماع الجار كحّة جاره في شتاءات الحرب القاسية. في ساحة الحمام التابعة لقرية بسنادا، يقول سائق سيارة الأجرة: «هُنا حدث التفجير». لا شيء في الساحة يشير إلى آثار موت أو دمار، إذ جرت العادة في الساحات السورية أن تزيل الحكومة بقايا التفجيرات وتعمل على ترميم المكان سريعاً. السيارات والحافلات تمضي في طريقها، وازدحام الموظفين الذاهبين إلى أعمالهم يغيّب ذكريات التفجير المريع، الذي حدث في خريف عام 2015. عام ونصف عام مضى على الحكاية التي أضحت من ذكريات القرية الأليمة، وغدا تأمين الدفء في المنازل هدف معظم رجال القرية. «الحل هو الحطب»، يقول أحدهم. «نسينا الكهربا. إجت ولّا ما إجت ما بتفرق. أصلاً تعوّدنا على ضو (اللدّات)»، وتضيف ابنته: «حتى الحطب بدأ ينفد هذه الأيام. والأعواد ما زالت طرية خضراء».