القاهرة | رغم مرور أكثر من 70 يوماً على قرار البنك المركزي تعويم الجنيه وترك حرية تسعيره للعرض والطلب، ما أدى إلى انخفاض قيمته أكثر من 100% خلال الفترة الماضية، لا تزال الحكومة المصرية تواجه أزمات مرتبطة بتداعيات القرار وتأثيره السلبي على قطاعات عدة في الدولة، خصوصاً في الزراعة والصناعة، فضلاً عن قطاعات الاستيراد التي توقفت بشكل كامل خلال الفترة الماضية، قبل أن تظهر بعض ملامح الانفراج أخيراً.


وحتى منتصف الشهر الجاري، لم تكن الحكومة المصرية قد اتخذت قراراً في التعامل مع مشكلة استيراد السلع والخدمات بسبب تذبذب الدولار الجمركي صعوداً وهبوطاً، إلى أن تم التوافق مع المستوردين على تحديد سعر ثابت للدولار الجمركي، على أساس متوسط الشهر السابق، على أن يتم تغيير السعر قبل بداية الشهر الجديد وإعلانه، الأمر الذي حقق انفراجة في الاستيراد، ويتوقع أن تزداد خلال الأسابيع المقبلة، علماً بأن استيراد السيارات والأجهزة الكهربائية توقف بشكل شبه كامل خلال تلك الفترة.
أما الأزمة الثانية، فجاءت مرتبطة بتحريك سعر الدواء، وهو السلعة الوحيدة المسعّرة جبرياً في مصر، إذ اختفت أصناف كثيرة من الأدوية بسبب أزمة الدولار، قبل أن توافق وزارة الصحة مضطرةً على طلبات شركات الأدوية بزيادة الأسعار مع وعد بمراجعة الأسعار مرة أخرى مع بداية العام المالي في تموز/ يوليو المقبل. هذه الخطوة زادت من تكلفة العلاج على محدودي الدخل، بعدما شهدت جميع الأدوية الأكثر تداولاً زيادات متفاوتة لم تقل عن 30% من سعرها، لتكون الزيادة الثانية في أقل من عام.
ومن بين الأزمات المرتبطة بزيادة الأسعار، ارتفاع أسعار اللحوم المستوردة التي تأتي من السودان والدول الأفريقية، إذ تم زيادة سعرها من 60 جنيهاً إلى 75 جنيهاً، وهي الزيادة الثانية في أقل من عام، علماً بأن أسعار اللحوم ارتفعت بنسبة تزيد على 20% في الأسواق، فيما ارتفعت أسعار اللحوم البيضاء من الفراخ والطيور بسبب قرار زيادة أسعار العلف والأسمدة، بينما فشلت الأجهزة الحكومية في الحدّ من زيادة الأسعار المضطربة فيها حتى الآن.
الأزمة الكبرى التي تواجه الحكومة في الوقت الحالي هي مع مخابز الخبز المدعم، الذي يفترض عدم تحريك سعره باعتباره السلعة الاستراتيجية الأهم للأسر الفقيرة، إذ يطالب أصحاب المخابز باحتساب تكلفة الرغيف الواحد على 0.70 قرش بينما تتمسك وزارة التموين باحتسابه على سعر 0.60 قرش، الأمر الذي يهدد بأزمة قد تدفعهم إلى توقف الإنتاج، لا سيما أن كثيرين منهم يقولون إن الأزمة الحقيقية مرتبطة بزيادة مستلزمات التشغيل، فيما رفضت الحكومة أي تحريك للسعر الرسمي للخبز الذي يباع بـ0.05 قرش ولم يتحرك سعره منذ أكثر من ثلاثة عقود.


اختفت أصناف كثيرة من الأدوية بسبب أزمة الدولار

أما في مجال الزراعة، فواجهت الحكومة أزمة مرتبطة برفض الفلاحين توريد محصول قصب السكر على الأسعار القديمة التي كانت تتضمن توريد الطن للمصانع بسعر 480 جنيهاً، وهو ما تسبّب في إيقاف العمل بمصانع السكر لعدم وجود محصول لأيام عدة، قبل أن توافق الحكومة مضطرةً، وبعد مفاوضات شاقة بحضور رئيس الحكومة، على زيادة سعر التوريد ليصل إلى 620 جنيهاً، ثم عادت المصانع للعمل مجدداً.
وكيل لجنة الزراعة في مجلس النواب النائب رائف تمراز قال لـ«الأخبار» إن الحكومة فشلت في التعامل مع الأزمة، وضغطت على الفلاحين للقبول بسعر توريد غير عادل للقصب والبنجر، ما سيكون له تداعيات سلبية في مواسم الزراعة المقبلة، إذ سيتجه الفلاحون إلى زراعة محاصيل يمكن تصديرها بدلاً من زراعة القصب الذي تعتبر الحكومة جهة الشراء الرئيسية له في مصر.
وأضاف أن الحكومة في الوقت الذي رفعت فيه أسعار الأسمدة بنسبة 50% وارتفعت تكلفة نقل المحصول من الحقول الزراعية إلى مصانع السكر، قررت شراء المحصول من الفلاحين بسعر أقل من السعر العالمي الذي يصل في المتوسط إلى ما يعادل 900 جنيه مصري، رافضةً حتى رفع الزيادة لتصل إلى 800 جنيه بدلاً من 620 جنيهاً، وهو السعر الذي لم يوافق عليه مجلس النواب، خصوصاً أن غالبية النواب من الفلاحين يعرفون جيداً أن هذه المبالغ غير عادلة بالنسبة إلى الفلاحين. وأكد أن هناك مخاطبة من لجنة الزراعة في المجلس من أجل رفع السعر، لكن الحكومة لم تستجب للبرلمان، بينما ترفع الأسعار بالطريقة التي تراها، من دون وجود رقابة حقيقية من مجلس النواب عليها.