يُسَجَّل للنظام السعودي نجاحه في تدجين قدر من الجو العام، حتى بات خبر عقد لقاءات بين مسؤولين سعوديين مع نظرائهم الإسرائيليين، يمرّ كما لو أنه حدث اعتيادي. وبرز ذلك، في التعامل مع الكشف عن اللقاء بين الأمير تركي الفيصل مع القيادية في «المعسكر الصهيوني» تسيبي ليفني، كما لو أنه جزء من العلاقات العامة الطبيعية التي يعقدها مسؤولو الدول.


لم يستفز خبر اللقاء بينهما، في منتدى دافوس، الكثيرين في العالم العربي. ونتيجة ذلك، لم يلق عرض ليفني لصور لقائها مع الفيصل، أي ردود فعل تتناسب مع حجم الحدث والرسائل الكامنة فيه.
مع ذلك، ينضم هذا اللقاء إلى سلسلة طويلة من اللقاءات بين المسؤولين الإسرائيليين والسعوديين، بمن فيهم تركي الفيصل نفسه، الذي يبدو أنه أحد الذين يتولون مهمة التواصل العلني مع قادة العدو. وقد يؤشر هذا المسلسل من اللقاءات إلى ما يوازيها من لقاءات بعيدة عن الإعلام، أكثر عملانية وتأثيراً... وليس من الصعب تقدير ضرورات هذه السرية ومفاعيلها.
ومع أنّه لم يرشح عن مضمون اللقاء أي مواقف استثنائية، وإنما اقتصر الكشف عن عناوين عامة، لكن اللافت في هذا اللقاء الذي يبقى رغم محاولات التدجين والتطبيع شاذاً، هو «أبطاله». فكلّ منهما لديه خلفياته الاستخبارية وتاريخه السياسي في النظام الذي ينتمي إليه. الفيصل، كان رئيساً للاستخبارات السعودية، وسفيراً لبلاده في بريطانيا والولايات المتحدة. فيما ليفني هي خريجة جهاز الموساد، ولعبت دوراً هاماً في الساحة السياسية الإسرائيلية وتعود جذورها إلى اليمين الصهيوني، الذي تدرجت في مساراته، وصولاً إلى عضوية الكنيست عن حزب «الليكود» قبل أن تنشقّ مع رئيسه أرييل شارون ويشكلوا مع آخرين حزب «كديما». وبالتالي، لدى كل منهما ما يكفي من الموقعية والخلفيات التي تؤهله للعب دور رئيسي في التنسيق بين الطرفين وإضفاء المزيد من طابع الجدية والعملانية.
ومع أن اللقاء أتى في سياق منتدى دافوس، إلا أنه يأتي أيضاً في توقيت سياسي إقليمي ودولي، أكد من خلاله النظام السعودي إصراره على خيار التطبيع مع العدو. وبدا مفتخراً بتجاوزه المعادلة التي كانت تحكم المقاربة السعودية والعربية للتسوية على المسار الفلسطيني.
في السابق، كان الخليجيون يربطون ــ نظرياً ــ علاقاتهم واتصالاتهم مع العدو بتسوية تقوم على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود العام 67 وعاصمتها القدس. لكن الأداء السعودي الحالي يعزّز مفهوم نتنياهو في الساحة الإسرائيلية الذي يهدف إلى الالتفاف على المسار الفلسطيني عبر الدعوة إلى «مؤتمر سلام إقليمي» بعيداً عن أيّ تسوية على المسار الفلسطيني.
صحيح أنّ فصائل المقاومة ليست منخرطة ضمن عملية التسوية مع العدو، ولا تراهن عليها، لكن أي موقف عربي يساهم في تعزيز الموقف الإسرائيلي على المستويين الأمني أو السياسي هو في الواقع طعنة للشعب الفلسطيني عامة، وتياراته السياسية خاصة، بشقيها التسووي والمقاوم.
في كل الأحوال، يواجه النظام السعودي تحدياً إضافياً مع تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه، الأكثر تناغماً مع طروحات اليمين الإسرائيلي على المسار الفلسطيني. مع ذلك، ليس من الصعوبة التقدير بل الجزم بأن النظام السعودي سيواصل مساره التطبيعي مع كيان العدو في موازاة مساعي اليمين الإسرائيلي، الذي سيلقى المزيد من الدعم من البيت الأبيض، لفرض برنامجه السياسي على المستويين التسووي والاستيطاني.