رغم أنّ كثيرين لا يستبعدون أن طوق النجاة الأميركي الملقى أخيراً إلى السودان جاء بسبب وساطة عدة دول، منها السعودية والإمارات، فإنهم لا يستغربون في الوقت نفسه أن تغسل الخرطوم يديها من كل ما كانت تنادي به من شعارات معادية للولايات المتحدة، ليتحوّل خطابها «الجهادي» (الشهير في التسعينيات ــ زمن حسن الترابي) فجأة إلى حمل وديع، مُناه نيل الرضا الأميركي.


ويبدو أن الإدارة الأميركية (في الأيام الأخيرة لباراك أوباما) قدمت «الجزرة» برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ 1997، لكنها أبقت «عصا» استمرار السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب بجانب عقوبات عسكرية أخرى. ورغم أنّ القرار الأميركي مرهون بمراقبة السودان لستة أشهر مقبلة، فإنه كان كفيلاً بإحداث متغيرات كثيرة على الساحة الداخلية، يبدو أنّ من بينها عودة الصادق المهدي أمس.
وجاء الترحيب الداخلي بالقرار الأميركي الجزئي، كبيرا وغير مسبوق، وذلك عبر تسويق خطاب ترأب به الخرطوم صدع ما تعانيه من أوضاع اقتصادية متردية وواقع سياسي «عالق» لم يتمكن خلاله الرئيس عمر بشير من إعلان تشكيل حكومته الجديدة، التي كان مقرراً لها ذلك في العاشر من الشهر الجاري.


سارع البشير
إلى زيارة السعودية عقب رفع العقوبات الاقتصادية

وفي الأثناء، ينتظر السودان نتائج الضغوط الأميركية على الحركات المسلحة والأحزاب السياسية المعارضة للبشير، من أجل الانخراط في تسوية سياسية يرعاها المبعوث الأميركي الخاص للسودان وجنوب السودان، دونالد بوث، في وقت تواصل فيه الحكومة القطرية دعمها للبشير، خاصة بعد إلحاق حركة مسلحة جديدة (حركة تحرير السودان ــ الثورة الثانية) بـ«وثيقة الدوحة للسلام». وكان لافتاً الأسبوع الماضي، تحذير المبعوث الأميركي، قبل يوم واحد من تركه منصبه تزامنا مع انتهاء فترة ولاية إدارة باراك أوباما، من وضع المعارضة السودنية «في مكانة رفيعة».
امتحان حسن الأداء
لعلّ امتحان «حسن الأداء لستة أشهر» الذي ألزمته الولايات المتحدة للسودان، قد لا يفتح أمام الأخيرة المسارات الغربية قبيل انتهاء المهلة، خاصة أن الحكومات الغربية تواجه بضغوط حقوقية ليس من السهل تخطيها لمجرد صدور قرار أميركي. لكن الخرطوم تعمد إلى تذكير أوروبا بأن قواتها تقدم جهوداً جبارة لدعم الاتحاد الأوروبي في ما يخص وقف تدفق المهاجرين إلى القارة العجوز من القرن الأفريقي (أعلن السودان أخيراً احتجازه لأعداد كبيرة من المهاجرين التزاماً بعملية الخرطوم التي يدعمها ويمولها الأوروبيون).
عربياً، تجد حكومة السودان الفرصة مواتية للحصول على ما يدعمها اقتصادياً وسياسياً، خاصة أن ثلاثاً من الدول التي توسطت لها سابقا أمام الإدارة الأميركية هي السعودية والإمارات وقطر. وهذا ما يفسر الزيارة العاجلة التي سارع بها البشير إلى السعودية عقب القرار الأميركي، وهي الزيارة العاشرة إلى المملكة خلال عامين. وكان من أولى نتائج زيارته حصول حكومته على منحة سعودية لمشروعات مياه الشرب في المناطق الريفية. أما الإمارات، فأعلنت تقديمها وديعة مصرفية إلى السودان بقيمة نصف مليار دولار من «صندوق أبو ظبي للتنمية»، وينتظر أن تحصل السلطات السودانية على المزيد من المنح العربية. ومقابل كل ذلك، تواصل الخرطوم تقديم المزيد من الأراضي الزراعية والبقاء في حلف «عاصفة الحزم» في اليمن (جدير بالذكر، أنّ وكالة الأنباء السعودية الرسمية أعلنت يوم الخميس الماضي اختتام فعاليات التمرين البحري السعودي السوداني، الذي هدف إلى التدريب على ردع أي عدوان قد يعيق الملاحة في باب مضيق المندب).
غسيل الأيدي
في ظل هذه المفارقات، نشطت وسائل التواصل الاجتماعي في عمل مقارنات لتراجع الخطاب الحكومي السوداني عما كان عليه قبل القرار، خاصة عندما كانت حكومة البشير تنادي منذ التسعينيات بمناهضة أميركا، وكان مناصروها يرددون في أحد أناشيدهم القتالية: «أميركا روسيا قد دنا عذابها... علّي إن لاقيتها ضرابها»، وفي نشيد آخر: «الطاغية الأميركان ليكم تدربنا». أما خطاب اليوم فصار مختلفاً جدا، إلى حدّ قال فيه وزير الخارجية إبراهيم غندور، إن «الشعارات المناهضة لأميركا تعود إلى الشيوعيين وليس الإسلاميين».
وامتداداً للخطاب الجديد، نسبت بعض المصادر في الخرطوم إلى الحكومة أنها أبلغت أئمة المساجد بتجنب مهاجمة الولايات المتحدة والدعاء عليها، كما نسبت بعض الصحف إلى غندور أن بلاده لا تمانع في دراسة إمكانية التطبيع مع إسرائيل قبل شهور، ثم سارع غندور بنفسه إلى نفي جدية ما نقل عنه، بالقول: «كنت أمزح».
وفي السياق، لفت جورجيو كافييرو ودانيال واغنير في «ذي ناشيونال انترست» الأميركية، إلى أنّ «المسؤولين الإسرائيليين كانوا قد طالبوا نظراءهم الأميركيين باتخاذ خطوات إيجابية اتجاه السودان، وزيادة الحوار بين واشنطن والخرطوم، كمكافأة على ميل السودان باتجاه دول مجلس التعاون الخليجي، وقطع علاقاتها مع إيران».
أيضاً، أشارت كاثرين باور في تقرير نشره «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، وهي مسؤولة سابقة في وزارة الخزانة الأميركية»، إلى أنه في «التقارير الوطنية (الأميركية) حول الإرهاب لعام 2015، قدّرت (وزارة الخارجية) أن استخدام السودان من قبل جماعات إرهابية فلسطينية قد تراجع على ما يبدو». وأضافت أنّ «هذا تغيير مرحّب به مقارنة بالسنوات السابقة، عندما كان بإمكان أعضاء حركة حماس جمع الأموال والسفر والعيش في السودان».
في ظل تسارع التطورات، تشير اليوم بعض الأوساط السياسية السودانية القريبة من الحكومة إلى خشيتها من الاتهامات المصرية الأخيرة للخرطوم بإيواء ودعم عناصر في «جماعة الإخوان المسلمين»، نظراً إلى أنه قد ينتج عنها ضغوط من إدارة دونالد ترامب على الخرطوم، خاصة في ظل ما يظهر من علاقة جيدة بينه وبين نظيره المصري عبد الفتاح السيسي. لكن في المقابل، فإنّ التزام السودان بما تضمنه الاتفاق مع واشنطن من بنود سرية، قد يحميها. وللإشارة، نقلت مصادر إعلامية الأسبوع الماضي على لسان إبراهيم غندور قوله إن «يوجد اختراق في العلاقات (مع واشنطن) بعد الاتفاق على وضع خريطة طريق»، رفض الكشف عن محتواها... فيما علّق سفير السودان في تركيا عثمان الدرديري، على قرار رفع العقوبات: «أخيراً أدركت الولايات المتحدة صدقنا».
(الأخبار)




{إيران عدوّة»

في مقابلة أجرتها معه صحيفة {الشرق الأوسط» خلال زيارته الحالية للسعودية، قال الرئيس السوداني عمر البشير إن {هناك برنامجاً إيرانياً للسيطرة على المنطقة العربية٬ وهو قيام الدولة الصفوية الكبرى»، مشيراً إلى وجود "دلائل على المحاولة الإيرانية للتشيع في السودان٬ بل في أفريقيا بأسرها". وعبّر البشير عن اقتناعه بوجود {برنامج لتقوية تنظيم داعش، وتمكينه من احتلال المدن السنّية»، معتبراً أنه {برنامج ضد السنّة من خلفه الحلف الفارسي ــ الإسرائيلي ــ الغربي»!
ودعا البشير إيران إلى {عدم التدخل في المنطقة العربية٬ والتوقّف عن استهداف السنّة العرب».
(الأخبار)