احتمالان لا ثالث لهما، سيتحقق أحدهما عقب عودة الصادق المهدي (81 عاماً) من منفاه الاختياري في القاهرة، حيث قضى فيه ما يزيد على عامين، والذي كان قد توجه إليه عقب إطلاق سراحه من آخر اعتقال له من قبل حكومة البشير.


أول الاحتمالين، أن يطرح المهدي نفسه كقائد للمعارضة، وأن يعمل على توحيد كتلتيها الرئيسيتين، وهما أحزاب «نداء السودان» التي تغلب في تشكيلتها الحركات المسلحة المعارضة و«تحالف قوى الإجماع» (ذو الثقل السياسي المعارض في الداخل). وما قد يعزز هذا الاحتمال أنّ المهدي الذي عاد إلى الخرطوم «راكباً عادياً في رحلة طيران عادية»، سبقت عودته لقاءات مكثفة في باريس، حيث اجتمعت مؤخراً أحزاب «نداء السودان»، وخلال الاجتماع أكد المهدي لحلفائه موقفه من حكومة البشير (لا تشمل رئيساً بل مستشارين ووزراء) ورفضه أي تسوية سياسية لا تحقق شروط خريطة الطريق التي أقرّها وحلفاءه مع الحكومة السودانية في أديس ابابا العام الماضي برعاية الاتحاد الافريقي وجهات دولية، والتي تراجعت عنها السلطات لاحقاً. وقد رحّبت أحزاب «نداء السودان» بموقف المهدي ودعمت قراره بالعودة إلى الخرطوم، غير عابئة ببعض الأصوات القلقة على ما يمكن أن يتعرض له المهدي من مخاطر ومضايقات أمنية من السلطة، أبرزها ما أشاعته إحدى الصحف المقرّبة من الحكومة عن احتمال تعرضه لـ«محاولة اغتيال تدبرها المخابرات المصرية لإشعال الأزمة السياسية في السودان».
في المقلب الآخر (الاحتمال الثاني)، فإنّ الحكومة، رغم فشل كل محاولاتها السابقة لمغازلة المهدي بهدف استمالته إلى طرفها، تجد نفسها اليوم أمام فرصة جديدة تسمح باختيار الصادق المهدي رئيساً للوزراء في الحكومة المرتقب إعلانها خلال الأيام المقبلة، وهو المنصب الأخير الذي غادره المهدي قسراً عقب الانقلاب العسكري للبشير في عام ١٩٨٩. وإن نجحت هذة الفرضية، مع ضعفها، فلا بد أن تكسب الحكومة مساحة مناورة داخلية وخارجية تبعاً للوزن والمكانة السياسية للمهدي وحزبه (الأمة القومي)، كذلك فإنها من الجهة الأخرى ستُحدث عطباً جوهرياً في تماسك أحزاب «نداء السودان» المعارضة. غير أن قراءة أولية للوقائع تفيد بأن الحكومة نفسها تبدو غير مرحبة بعودة الصادق المهدي، بدليل العراقيل التي وضعتها أمام حزبه في ما يخص مكان استقباله والتضييق على الإعلاميين لدى استقباله في المطار ومنعهم من التغطية الإعلامية، فيما وجّه المهدي إلى الحكومة رسالةً أخرى عبر تصريحاته في مطار الخرطوم، حين قال إنه مع «التحول الديموقراطي الكامل».
ويقود الصادق المهدي «حزب الأمة القومي» منذ الستينيات، وانتُخب منذ سنوات إماماً لطائفة الأنصار (المكوّن الديني الأكبر لحزبه)، وتقلد منصب رئيس الوزراء في «الديموقراطية الأولى» في ستينيات القرن الماضي حين كان يبلغ ثلاثين عاماً، عقب تخرّجه في جامعة «أكسفورد»، ثم انتخب مرة ثانية رئيساً للوزراء عقب الانتفاضة الشعبية ضد النميري عام 1985.
من المعلوم أن الوزن الجماهيري للرجل لا يضاهى مقارنةً بجملة قيادات الأحزاب السودانية، حكومية كانت أو معارضة، وتلك الحشود التي تداعت من كل مناطق نفوذ حزبة لاستقباله في ميدان الهجرة في أم درمان، أعادت إلى الأذهان أن المهدي رقم يصعب تجاوزه في السياسة السودانية. والسند الجماهيري للمهدي كقيادة روحية وسياسية لحزبه كفيل بترجيح الكفة، وإن لاحقت حزبه اتهامات الطائفية والتقليدية والقيادة الأسرية، كما يردد منتقدوه.




الزعامة المستمرة

يمكن القول إنه منذ الستينيات، كان الصادق المهدي والراحل حسن الترابي أهم زعيمين سياسيين في البلاد (إلى جانب القيادي الشيوعي عبد الخالق محجوب الذي أعدم عام 1971)، وتجمعهما علاقة مصاهرة. لكل منهما توجهه السياسي، وقد دعم الترابي (أحد أبرز الوجوه العربية التي تدور في فلك الإخوان المسلمين) انقلاباً ضد المهدي عام 1989 كان يقوده عمر البشير نفسه. وهو الانقلاب الذي سمح لـ"الإخوان المسلمين" بالحصول على سطوة كبيرة في المجتمع السوداني (لا وجود لهم تقريباً في الساحة السياسية، لكن يبرز دورهم الكبير عبر أدوات السلطة والمال وغيرها).
عموماً، بانتظار تحقق أحد الاحتمالين (المشار إليهما في الموضوع أعلاه)، لا بد من الإشارة إلى أنّ الصادق المهدي قال أمس: "جئت لإيقاف الحرب وإقامة السلام وتحقيق التحول الديموقراطي". وأضاف في الاحتفال (الذي قالت وكالة فرانس برس إنّ عدداً من الدبلوماسيين الغربيين شوهدوا فيه): "سأعمل مع جميع الأطراف للاتفاق على وقف العدائيات".
وكانت حركات معارضة قد دعت كوادرها الى المشاركة في حفل الاستقبال، بينها "الحركة الشعبية ــ قطاع الشمال" (تقاتل الحكومة في النيل الأزرق وجنوب كردفان)، و"حركة تحرير السودان" (دارفور)، إضافة إلى "تحالف قوى المستقبل".