تعدّ المنطقة الجغرافية المسماة بالقرن الأفريقي، والتي تشمل الصومال وجيبوتي واريتريا، إحدى أهم المناطق الاستراتيجية التي تشهد صراعات ذات وتيرة بطيئة في الوقت الحالي. ولطالما شكلت هذه المنطقة مساحة مهمة للقاهرة، خاصة أنها تمثّل، إلى جانب حوض النيل، العمق الأفريقي الأبرز.


لكن في ظل الصراع القائم (والذي تعدّ مثلاً معارك السيطرة على باب المندب إحدى أهم مفاصله)، فمن الطبيعي تبنّي فرضية عجز الدولة المصرية عن حجز مكان مباشر لها، عكس ما كانت عليه الصورة زمن جمال عبد الناصر ومجمل حقبة الحرب الباردة. لكن يُلاحظ منذ مدة، وفقاً لعدد من التقارير، تقاطعات إسرائيلية ــ سعودية لتعزيز النفوذ في المنطقة، ولمواجهة أي تمدد، إيرانياً كان أو روسياً أو حتى صينياً.
في جيبوتي، يتم حالياً بناء ستة موانئ، وقد حجزت الصين لنفسها قاعدة «ضخمة» هي الأولى لها في الخارج، ومن شواطئ هذا البلد تقلع طائرات أميركية من دون طيار تشارك في الحرب على اليمن، ويُعتبر المقر الأميركي هناك مقراً لمجمل قواتها في أفريقيا (كما أشارت «فايننشال تايمز» البريطانية منذ أيام). وتضم جيبوتي قاعدة فرنسية أيضاً، ومن على سواحلها وسواحل اريتريا (التي منحت لإسرائيل حق إقامة قاعدة عسكرية) تجري أكبر عمليات تهريب عبر باب المندب.
ويدخل في الصراع المذكور كل من تركيا وإيران، وكانت «فايننشال تايمز» قد ذكرت قبل أيام أنّ «السعودية تقترب من إتمام صفقة مع جيبوتي لبناء قاعدة عسكرية في ظل مسعاها للعب دور أكبر في أمن المنطقة»، فيما نقل تقرير لـ»ذي غارديان» عن المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي في القرن الأفريقي، الكسندر روندوس، أن «دول العالم الإسلامي التي تتنافس في ما بينها على النفوذ، قررت تأمين مصالحها في تلك المنطقة».
وأشار التقرير إلى أن «تناوب العديد من المسؤولين والزعماء من بلدان الشرق الأوسط على زيارة منطقة القرن الأفريقي في الآونة الأخيرة يعدّ مؤشراً لافتاً على وجود تحوّل كبير في معركة تعود لقرون بين القوى الأجنبية المتصارعة على النفوذ، والتجارة، والموارد، والوجود العسكري في منطقة حساسة استراتيجياً على مستوى العالم».


تريد إسرائيل تأمين
حلفاء غير
تقليديين وحجز
نقاط ارتكاز ونفوذ

وإلى جانب تلك الدول، فإنّ إسرائيل تلعب دوراً مهماً، لناحية البحث عن حلفاء غير تقليديين، أو لناحية حجز نقاط ارتكاز ونفوذ. وبما أن إثيوبيا تسيطر على أكثر من 80 في المئة من مياه النيل الأزرق (حيث يشيّد سد النهضة)، فقد كان منطقياً أن تصبح هذه الدولة الأفريقية حجر الزاوية في المسعى الإسرائيلي لتضييق الخناق على مصر، رغم تطوّر العلاقات بين تل أبيب والقاهرة منذ عامين. ومن اللافت أن أديس أبابا قد شرعت في إطلاق حملتها لإعادة توزيع المياه (والحديث عن السد) في الفترة نفسها التي شهدت خلالها العلاقات الإسرائيلية ــ الإثيوبية تطوراً غير مسبوق.
من جهة أخرى، فإنّ الصراع الخليجي ــ الخليجي، تحديداً بين السعودية والإمارات، يبدو واضحاً في هذه المنطقة، حيث تسارع أبوظبي إلى إنشاء مناطق نفوذ لها، وهو نفوذ اقتصادي تعوّل عليه الدبلوماسية المصرية. أما من المنظور السعودي، فإنّ «عدداً من رجال الأعمال السعوديين يلعبون دوراً مهماً في العملية الاقتصادية في إثيوبيا، فيما يتوافد الطلاب من شرق أفريقيا للدراسة في السعودية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، من دون إغفال دور المؤسسة الدينية داخل المملكة في دعم وتمويل تشييد المساجد والمدارس الدينية الوهابية في تلك المنطقة»، وفق تقرير «ذي غارديان».




ملك المغرب في أثيوبيا

تؤذن مشاركة الملك محمد السادس في القمة الأفريقية، يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين في أديس أبابا، بعودة المغرب إلى حضن الاتحاد الأفريقي، بعد ثلاثة عقود من الغياب. ووصل محمد السادس إلى العاصمة الإثيوبية، مساء أمس، على رأس وفد كبير، يضم رئيس الديبلوماسية المغربية صلاح الدين مزوار.
ووفق وزارة القصور الملكية، فإن زيارة محمد السادس لأديس أبابا تندرج في إطار «المساعي التي يبذلها جلالة الملك من أجل عودة المملكة المغربية إلى الاتحاد الأفريقي». ويذكر أن المغرب انسحب من منظمة الوحدة الأفريقية في أيلول عام 1984، احتجاجاً على قبول «الجمهورية الصحراوية» التي شكلتها جبهة «بوليساريو». وستتطلب عودة المغرب الى الحضن الأفريقي موافقة ٢٨ من أصل ٥٤ دولة على طلب الانضمام، وقد أمّن المغرب حتى الآن دعم ٤٠ دولة لهذا الغرض. غير أنّ دولاً وازنة، مثل الجزائر وجنوب أفريقيا، قد تضع عراقيل أمام هذه العودة، فيما أعرب وزير خارجية «الصحراء الغربية» عن معارضته انضمام المغرب مجدداً إلى الاتحاد الأفريقي «ما لم ينسحب من المناطق المتنازع عليها».
وتمثل مساعي المغرب (صاحبة العلاقات المبطّنة مع إسرائيل) للعودة إلى الحضن الأفريقي اعترافاً ضمنياً بفشل سياسة «الكرسي الفارغ».