صنعاء | دفع استمرار الحرب على اليمن لنحو عامين قبائل محلية إلى التخلي عن زيّها التقليدي للمرة الأولى في تاريخها، وارتداء البزة العسكرية. قبائل صنعاء وذمار وعمران والمحويت وحجة والحديدة وإب وتعز، التي كان لها دور بارز في إسناد جبهات الجيش و«اللجان الشعبية»، التابعة لـ«حركة أنصار الله»، بالمال وبالرجال وبالغذاء على مدى عامين من العدوان، أعلنت أخيراً الانتقال إلى المواجهة المباشرة مع قوات تحالف العدوان في مختلف جبهات القتال لتحدث تغييراً في مسار المواجهات.


القبيلة اليمنية، التي غرقت خلال السنوات الماضية في الحروب القبلية البينية نتيجة تصاعد قضايا الثأر، تحوّل ثأرها إلى العدوان السعودي ــ الإماراتي والقوات المحلية الموالية له في مختلف جبهات القتال. وبعد التفكك الذي عانته قبائل البلاد نتيجة الحروب الداخلية، التي كادت أن تفتك بعدد منها، التحمت اليوم على القاعدة القبلية الشهيرة في اليمن «أنا عدو ابن عمي وعدو من يعاديه»، لتعلن المواجهة مع القوات الموالية للرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، المسنودة بقوات التحالف، في جبهات نهم وشبوة والضالع وتعز وباب المندب، وأيضاً في منفذ علب وعلى سواحل ميدي، بل صارت تتسابق للمشاركة في المواجهات التي تدور في جبهات الحد الجنوبي للمملكة السعودية رغبة منها في خوض مواجهات مباشرة بدلاً من دور الإسناد فقط.


نظّمت القبائل عروضاً عسكرية بعدما تلقى أفرادها دورات منظمة

وخلال الأسابيع الماضية، دفع العدوان بالمزيد من القوات إلى مديرية نهم، شرقي العاصمة صنعاء، محاولاً التقدم في سلسلة جبال يام الواقعة على تخوم مديرية أرحب، لكن قبائل أرحب ردت على التصعيد العسكري الذي لا يزال مستمراً ويتصاعد منذ أسبوعين، بعرض عسكري مهيب شارك فيه الآلاف من أبنائها الذين شاركوا في دورات تدريبية عسكرية حديثة، لتعلن تلك القبائل استعدادها الكامل لـ«ردع أي محاولات للعدوان من أجل التقدم» في أراضيها، كما تعهدت بـ«التنكيل بالمعتدين».
وفي ختام العرض، الذي حضره ممثلون عن وزارة الدفاع اليمنية في صنعاء وحكومة «الإنقاذ الوطني»، أعلنت قبائل أرحب تعزيز الجبهات بالمئات من المقاتلين، مضيفة ان «الدفاع عن الوطن واجب ديني وأخلاقي وقيمي يقع على عاتق الجميع»، وهو ما كان صادماً لعدد من الجهات، وخاصة «حزب الإصلاح» (الإخوان المسلمون)، الذي راهن كثيراً على تغيير موقف أرحب، وخاصة أنها كانت قد ساندته كثيراً خلال المواجهات التي قادها الحزب ضد القوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح في صيف 2011.
أيضاً، أعلنت قبائل همدان والحيمة وبني حشيش وخولان وبلاد الروس وسنحان في محافظة صنعاء، وقبائل الحداء وأنس ورداع والبيضاء والمحويت وخيران وعبس في حجة، ومعها حاشد وبني صريم في عمران، وقبائل يام في ريمة، وأخرى من الحديدة، انتقالها من المساندة إلى «المواجهة المباشرة مع قوات التحالف»، ونظمت هي الأخرى عروضاً عسكرية كبيرة أظهرت فيها قدراتها القتالية التي بدا أنها توازي ــ مجتمعة ــ قوة الدولة لجهة العتاد والرجال. وبعد يوم واحد من تنظيم قبيلة أنس في ذمار عرضاً عسكرياً، نظمت قبيلة مديرية الحداء في محافظة ذمار صباح أمس عرضاً مشابهاً ضمن حملة أطلق عليها اسم «أشداء على الكفار»، وتخللتها مناورات بالرصاص الحي.
التحول الدراماتيكي في موقف القبائل من الإسناد إلى المواجهة يضع قوات هادي في مواجهة مباشرة مع الشعب اليمني برمته، كما يرى مراقبون، يؤكدون أن هذا التحوّل سيساهم بعد الإنهاك الكبير في تعزيز صمود الجيش و«اللجان الشعبية» من جهة، وإحباط تقدم القوات الموالية للعدوان. كما يلغي ذلك، في رأيهم، فرضيات التحالف في إحداث اختراق لما يسمى «قبائل الطوق» التي تحيط بالعاصمة من كل اتجاه، فضلاً عن أن أسلوب العروض العسكرية يعيد تنظيم دور القبائل ويعلن مرحلة جديدة من سلوك مقاتليها.
ومنذ عامين، حاول تحالف العدوان استقطاب قبائل طوق صنعاء، مقدماً الكثير من العروض المغرية إلى عدد من زعماء تلك القبائل، لكن الأخيرين رفضوها مطلقاً، فسعى العدوان إلى شق صف كل قبيلة، وخصوصاً في مديرية نهم. وعندما لم ينجح في أهدافه عبر هذا الأسلوب، كثّف الطيران غاراته على مناطق القبائل في نهم وأخرى.