إن اقتصرت المقاربة على مؤتمر الأستانة، وعلى يومي المفاوضات بين المشاركين فيه، فمن شأن ذلك تضييع البوصلة. المؤتمر كان مطلوباً لذاته، كمقدمة تدفع باتجاه تغيير الوجهة والهدف والمشاركين، في المؤتمرات اللاحقة. أما النتائج المحققة، فجاءت نتيجة محادثات موازية، بدأت في اليوم الذي أعقب استعادة الجيش السوري لمدينة حلب، واستمرت خلال المؤتمر وما زالت، في مرحلة ما قبل المؤتمر المقبل في جنيف.


بناءً على ذلك، الأستانة نتيجة لمفاوضات بين ثلاثة أطراف فاعلة ومؤثرة في الساحة السورية، جراء التطورات الميدانية: روسيا وتركيا وإيران، مع حضور غائب في الشكل، لا في المضمون، للدولة السورية. وأي نتيجة تحققت في العاصمة الكازاخية، هي تظهير لجزء مما توصل إليه التفاوض، الذي ما زال مستمراً، كل بحسب موقعه وتأثيره وفاعليته: إما بالتوافق أو بالفرض أو بالمنع أو حتى بالتأجيل... وهذه المحددات تنسحب أيضاً على ما بعد أستانة، في مرحلة ما قبل مؤتمر جنيف.
حضور الدولة السورية، رغم غيابها الشكلي عن المفاوضات بين الأطراف الثلاثة، في كون دورها وفاعليتها وتأثيرها في رسم المسارات وتنفيذها، وهي الممر الالزامي لتطبيق أي اتفاق، مع هامش تحرك وتأثير حاسم استناداً إلى هذا الدور والفاعلية. نعم يضيق هامشها في التأثير في حالة الاتفاق الروسي ــ الإيراني، وهذا طبيعي كون الاتفاق بينهما يخدم أهدافها، لكنه يتسع في حالة التباين بينهما، كعامل صدّ وفرملة مسارات هذا التباين، سواء كانت أقرب إلى الطرف الأول أو الثاني.
من هنا، تفرض القراءة الموضوعية لتطورات الوضع السوري العودة إلى تموضع الأطراف، في مرحلة ما بعد استعادة حلب... أي إلى أهم تطور في الحرب السورية في العام الأخير، وربما أكثر، إذ إن عملية استعادة المدينة هي تتويج لمسار انكسارات مُني بها الطرف الآخر، انكسار لم يكن بإمكان الأطراف المعادية لسوريا، وفي مقدمتهم تركيا، حرفه أو المناورة أمامه، رغم المحاولة، ما دفعهم إلى التعامل معه باتجاه فرملة مشاريع وتحوير في الخطاب السياسي، رغم الممانعة. إلا أن هذا الانتصار جاء مع تباين بين الحلفاء، حول حجم ومدى وكيفية ترجمته سياسياً.
في ذلك، عمدت روسيا إلى نقل تموضع تركيا من طرف منكسر، أو شبه منكسر، إلى طرف وسيط وراع لحل سياسي، لم تكن معالمه وما زالت، قد تحددت. اعتماد روسيا لهذه المقاربة، استند إلى إمكان انتزاع نتائج من أنقرة من دون الدفع إلى انكسارها، مع توفير حد أدنى من مصالحها (تركيا)، وهو مطلب تمسكت به موسكو وما زالت، وعملت عليه لحاجات وأهداف أخرى، قد تكون أوسع وأشمل، من الساحة السورية نفسها.
تلقّفت أنقرة هذه المقاربة، مع إدراكها أن نتيجة التطورات الميدانية وميزان القوى لم يعودا يسمحان لها بالتمسك بأهدافها الابتدائية للساحة السورية. مقاربة رأت أنها تخدمها في ثلاثة اتجاهات: إبعاد صورة الطرف المنكسر عنها، رغم انكسارها الفعلي. ومحاولة البناء على هذه المقاربة لتحقيق ما أمكن من أهداف، رغم إدراكها أنها باتت مقلصة قياساً بالماضي. أما الاتجاه الثالث، والأهم، فيتمثل في فرملة الاندفاعة الميدانية، حيث إرادة كسرها بالمطلق موجودة لدى الدولة السورية وحلفائها.
من هنا يمكن فهم موقف الدولة السورية وحليفها الإيراني من هذه المقاربة التي لا تعمد إلى الترجمة الكاملة سياسياً، للانتصار الميداني، وتحديداً في وجه الطرف التركي الذي يعدّ، وما زال، محرك المشاريع العدائية في سوريا.
إلا أن هذا التباين لا يتسبّب، وربما غير قادر على التحول إلى اختلاف وإعادة تموضع... إذ إن ما يحكم التحالف بين روسيا والدولة السورية وحليفها الأكثر التصاقاً بها، إيران، يتمثل في الضابطة الآتية: قدرة روسية على تحريك مسارات، كطرف أول بين الحلفاء، تقابلها قدرة على فرملة هذه المسارات، لدى الدولة السورية وإيران. وهي علاقة ــ معادلة، قائمة على فهم وإفهام متبادلين، بأنّ مصلحة أي طرف لا تتحقق، بمعنى القدرة على الاستمرار والديمومة، من دون مراعاة مصالح الطرفين الآخرين، وهي مصالح تتقاطع بشكل واسع جداً، في سوريا. هذه المعادلة، تسمح لموسكو بأن تسعى كي تراعي مصالحها خارج الدائرة السورية، لكن من دون الإضرار الفعلي بحليفيها.
ضمن هذه المحددات وبنتيجتها، يمكن فهم ما آلت إليه، حتى الآن، المفاوضات بين الأطراف الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، واستناداً إليها، ما تحقق في الأستانة. إلا أن القدر المتيقن هو تقدير الجماعات الإرهابية، وتحديداً «جبهة النصرة»، أنها هي الثمن في أي اتفاق، كيفما اتجه هذا الاتفاق، سواء لهذه المرحلة، وهو مستبعد نتيجة للتريّث التركي، أو نتيجة المرحلة المقبلة، في مؤتمر جنيف وما بعده... وهو تقدير ترجم ميدانياً شرخاً بين الجماعات الإرهابية، في مسعى استباقي للحؤول أو تأجيل أو تصعيب الاستحقاقات الميدانية المقبلة، حيث هي الثمن.
مع ذلك كله، من غير المنتظر في مرحلة ما قبل جنيف أن يتبلور مسار نهائي للحرب السورية، باتجاه الحل أو باتجاه المراوحة أو حتى مزيد من القتال. عدا الحركة الاستباقية الميدانية لجبهة النصرة، التي تستشعر الخطر كيفما اتجهت الأمور، وعدا التحابب الروسي التركي كل بحسب منطلقات مختلفة، إلا أن القدر المتيقن أن كل تطور باتجاه الحل أو مسار الحل سيبقى ينتظر التزام تركيا وتموضعها الفعليين، إن كانت سترضى بتلقّي ما تعطى بناءً على المعادلات القائمة حالياً، ميدانياً وسياسياً، وهو قرار لن تتخذه أنقرة إلا بعد أن يتحدد الموقف الأميركي وخياراته النهائية، في ضوء التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية.