بروكسيل | لم يكن يعلم الرفيق «أبو صالح»، وهو مسؤول سوري «رفيع المستوى» أعلن انشقاقه عن النظام السوري وحزب البعث العربي الاشتراكي وغادر إلى السويد، طالباً اللجوء السياسي فيها، أنه سيقضي ليلته نائماً على الرصيف لدى عودته من سهرته في أحد الملاهي الليلية، بعدما أقفلت زوجته الباب جيداً ومنعت أولاده من أن يفتحوه له.


هذا ما لم يكن في الحسبان، بعد كل تلك السلطة والسطوة يُعاقب «الرفيق المُنشق» كما كان يُعاقب صغار موظفيه. كان مسؤولاً وله سطوته في بلده، أما هنا فهو لا يتعدى كونه لاجئاً ليس بوسعه فرض سيطرته حتى على أفراد أسرته. إنها أوروبا، وليس باليد حيلة، فالنساء هنا «قوّامات» على الرجال.
كان الأهل والأصدقاء والأقارب يبذلون جهداً في إصلاح ذات البين عند أي خلاف يحصل بين زوجين، وغالباً ما كان يلين الزوجان وتتبدل مواقفهما لأسباب كثيرة، منها خوف الزوجة من الطلاق وتبعاته والوصمة الاجتماعية والعنوسة، غير أن تبعات الطلاق تتلاشى هنا في المجتمع الأوروبي.
تروي حنان (لاجئة سورية من مدينة درعا) قصتها لـ«الأخبار»: «زوّجني أهلي لأول خاطب، كان عمري 16 سنة، لم يستشيروني أو يسألوني عن موافقتي، ولم تتوقف الخلافات والمشاكل بيني وبين زوجي. مضى على زواجي 11 عاماً، تطلقت أكثر من مرة، وكنت أعود إلى زوجي بعد وساطات عائلية، وبعد أن وصلنا إلى ألمانيا استمرت مشاكلنا وقررت أخيراً الانفصال عنه نهائياً، وهذا ما حدث».


انتشرت ظاهرة «الطلاق الوهمي» وهي محاولة لكسب مساعدات مضاعفة

تشعر حنان بالطمأنينة والأمان هنا. حصلت على بيت مستقل، وحصل الزوج على إخطار من الشرطة بعدم الاقتراب منها أو التحدث إليها تحت طائلة المسؤولية القانونية، وتخلّت عن أطفالها للأب، وهي تتابع الآن تعلم اللغة وتحاول إثبات نفسها في المجتمع الجديد، بعد أن نالت حريتها. وتضيف: «لدي ابنتان في سنّ المراهقة، ولا أريد تحمّل مسؤولية مراقبتهما وتربيتهما في هذا المجتمع. أريد أن أبدأ حياة جديدة وأؤسس نفسي بعيداً عن المشاكل اليومية».

الرجل ضلع قاصر

يقول عمر، وهو محامٍ عراقي حصل على اللجوء أخيراً لـ«لأخبار»: «كان همنا حين جئنا إلى أوروبا الخلاص من تبعات الحروب ومشاكلها في بلداننا، ويشغلنا الحصول على الإقامة وفرصة جديدة للحياة من أجل أطفالنا، إلا أن الأمور اختلفت كثيراً، حتى قبل الحصول على الإقامة أخذوا النساء إلى دروس اجتماعية في جمعيات ومنظمات، وفي كل مرة هناك أمر جديد، دعوة للزوجة إلى الاستقلال أكثر والتصرف بحرية. هذا الانفتاح المفاجئ مُخيف لأسباب كثيرة». ويضيف: «لسنا ضد بعض الأمور، لكن يجب مراعاة عاداتنا وتقاليدنا، وحتى ديننا، تعريف المرأة بمسؤوليتها تجاه أسرتها وزوجها أهم بكثير من دعوات الاستقلالية والحرية التي يدعون إليها، لم يعد بوسعنا حتى رفع أصواتنا على أطفالنا، أما ضربهم فيجعلنا نخسرهم لمصلحة الحكومة هنا».

انفصال مؤقت

تشرف جمعيات خاصة بالأسرة على حل الخلافات الزوجية ومحاولة الإصلاح بين الزوجين. بعضها يعمل على فصل الزوجين مؤقتاً لمدة تصل إلى ستة أشهر، تكون بمثابة فرصة كي يراجع الزوجان قرارهما بالانفصال، وإن أصرا بعد انقضاء تلك الفترة على الطلاق، وهذا على الأغلب ما يكون، تترك الجمعية لهم الخيار دون أي تدخل منها. تقول كارولينا، ناشطة اجتماعية في مجال رعاية الأسرة لـ«لأخبار»: «ازدادت حالات الطلاق بين اللاجئين بنحو ملحوظ، رغم أننا لا نملك إحصاءات دقيقة بعد، إلا أنه على عكس المتوقع، ارتفعت نسبة الطلاق بين الأسر التي حصلت على الإقامة هنا في دول الاتحاد الأوروبي، ومن المستغرب أن تتحمل الزوجة كل الظروف القاسية دون أن تطلب الطلاق، ثم فجأة بعد أن تستقر وتحصل على منزل مستقل وإقامة تُصبح مُصرة على الطلاق». وتضيف القول: «لاحظنا أن عدد النساء اللواتي يطلبن الطلاق أكثر من عدد الرجال، من الواضح أن المرأة أصبحت تدرك حقوقها هنا وتطالب بالمساواة، ولم تعد تقبل بالمعاملة السيئة التي اعتاد أن يعاملها بها الرجل في المجتمع الشرقي».

طلاق وهمي

وفي المقابل انتشرت ظاهرة «الطلاق الوهمي» بين أسر اللاجئين، وهي محاولة لكسب مساعدات أكثر من الجهات المانحة هنا، إذ يدّعي بعض الأزواج أنهم على خلاف وقرروا الانفصال، وبالتالي يحصل كل منهم على سكن ودعم مستقل، وأمام مثل هذا الاحتيال تبقى الحكومات عاجزة عن اتخاذ أي قرار، لأنه لا يوجد ما يمنع تواصل الزوجين بعد (طلاقهما) أمام منظمة الهجرة. وتقول كارولينا: «سمعنا الكثير عن مثل هذه القصص، ولم نكن مقتنعين ببعض الملفات الخاصة بالانفصال التي قدمتها بعض الأسر، لكن ليس بوسع الحكومة منع الزوج من التردد إلى بيت طليقته إلا إن طلبت هي ذلك».