منذ حزيران 2014 (تاريخ سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم «داعش»، وبدء توسّعه في العراق وشرق سوريا)، تتحدث مصادر عراقية عدّة عن «التعاون الأميركي مع التنظيم»، ويذهب البعض إلى حدّ المبالغة بالقول إن «الأميركيين لا يوفّرون جهداً استخباراتياً أو لوجستياً إلّا ويسخّرونه للتنظيم... رغم الحديث عن الحرب على الإرهاب».


وفيما يُجمع المتابعون على «الدور الوظيفي» الذي لعبه التنظيم بين العراق وسوريا بصورة تخدم، أولاً، توسع نفوذ الأيادي الأميركية إلى المناطق التي يسيطر عليها «داعش» (قبل استعادتها وبعدها)، فاليوم تعود الأحاديث عن التعاون «بين الطرفين» إلى الواجهة.
وفي السياق، تؤكّد مصادر ميدانية عراقية رفيعة المستوى، لـ«الأخبار»، عودة «هبوط طائرات أميركية في مناطق سيطرة داعش، في محافظة صلاح الدين، شمالي البلاد». وتفيد بأنّ «مروحية أميركية من طراز شينوك، والتي تستخدم للنقل الثقيل، هبطت يوم السبت الماضي قرابة الساعة العاشرة والربع مساءً، في منطقة الجزيرة، في محيط قرية السلام، شمالي صلاح الدين، في النقطة العسكرية: DL8475173».
وتشير المصادر إلى أن «المروحية بقيت هناك لمدّة نصف ساعة قبل أن تقلع من جديد». ووفق المعلومات، فإن المناطق التي هبطت فيها المروحية تخلو من أي قوّة عراقية أو كردية. وتشير التقارير الخاصّة بالجهات العراقية المتابعة للقضيّة إلى أن «الحادثة تكرّرت كثيراً منذ بداية عمليات قادمون يا نينوى»، مؤكّدةً أن حادثة مماثلة «وقعت قبل أيام، حين هبطت طائرة أميركية في محيط قرية مكحول، شمالي صلاح الدين، وهي منطقة يسيطر عليها مسلحو داعش»، وهي قريبة من تلك التي سبق أن منعت «حركة النجباء» قوّة أميركية، مطلع العام الجاري، من الوصول إليها في جبال مكحول، وتحديداً في منطقة مطلّة على الحويجة. وفي حينه، أعلنت «قيادة العمليات المشتركة» أن «فصائل الحشد الشعبي منعت وصول قوّة أميركية، كانت متوجّهة في مهمة تدريبية لمجموعات من جهاز مكافحة الإرهاب والحشد العشائري»، بالتزامن مع تحليق الطائرات الأميركية بارتفاعات منخفضة، وفق مصادر متابعة للحدث.
وتعزو المصادر سبب هبوط الطائرات المتكرر إلى أن «مسلحي التنظيم، وبسبب الحصار المفروض عليهم، يعانون من نقص السلاح والعتاد والطعام، ويُعتقد أن هذه الطائرات تحمل مؤنة قُدّمت إليهم». وتضيف أن «استخبارات الجيش العراقي لاحظت ذلك، وعملت على متابعة الموضوع، وأعدّت تقريراً مفصّلاً رُفع إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي»، إلا أن الأخير وفريقه الخاص «لم يعيرا اهتماماً لذلك، وعمدا إلى تجاهل التقرير وعدم الردّ على الجهة المرسلة حتى».


تعمّدت الطائرات الأميركية قصف
قوات الجيش
والحشد الشعبي

وتؤكّد المصادر أن عدداً من الشخصيات السياسية خاطب «القائد العام للقوات المسلحة، ولأكثر من مرّة، إلا أن ردّ الحكومة اتّسم بالنفي والإنكار لوجود حالة كهذه»، لافتةً إلى أن القوى السياسية «لن تسكت عن هذا الموضوع وستعمل على إثارته مجدّداً داخل البرلمان كي لا تذهب دماء الشهداء نتيجة هذا التمادي الأميركي والإهمال والصمت الحكوميين».
وفيما لا تزال الحادثة في إطار الأخذ والرد في العراق، فإن مصادر قيادية في «المقاومة العراقية» لا تنفي احتمال وقوع مثل هذه الحوادث، خصوصاً أن «السجل الأميركي حافلٌ لدينا، وعمليات الرصد والمتابعة لا تزال قائمة حتى الساعة». وترجع المصادر في حديثها إلى ما قبل إطلاق عمليات «قادمون يا نينوى» (تشرين الأول 2016)، حين كانت الطائرات الأميركية تحلّق في أجواء مناطق سيطرة مسلحي «داعش» وعلى ارتفاعات منخفضة جدّاً. وتؤكّد المصادر أن «هناك مشاهدات طوال مدّة السنتين الماضيتين، وقد سجّلنا أكثر من حادثة».
لكن ما هو لافت، أيضاً، ليس فقط «الدعم الأميركي»، الذي يبدو مبالغاً فيه بعض الشيء، بل هو استهداف تلك الطائرات لمواقع «الحشد»، وهو أمرٌ أعلنه الأخير في تشرين الثاني الماضي، في بيان قال فيه: «إن مطار تلعفر تعرّض لقصف بعد دقائق من انتهاء اجتماع بين العبادي وقيادات الحشد»، لافتاً إلى أن «الخيمة التي كانت تضم الاجتماع تعرّضت لضربة صاروخية تسببت بإصابة عدد من العناصر بجروح خطيرة». وعلى الفور شكّل «الحشد» لجنة تحقيق لمتابعة الهجوم، وخلصت إلى أن الصاروخ هو «ليزري موجه، وقد تم إطلاقه بواسطة طائرة للتحالف الدولي، وسقط على مسافة متر ونصف المتر من الخيمة». ووفق معلومات خاصّة حصلت عليها «الأخبار»، فإن أحد المصابين هو أبرز قادة فصائل «المقاومة العراقية، وهو موجودٌ حالياً في العاصمة بيروت حيث يتابع علاجه».
كذلك، فإن «كتائب حزب الله» أكّدت في آذار من العام الماضي «تعمّد الطائرات الأميركية لقصف قطعات الجيش والحشد في ناحية جرف الصخر شمالي بابل»، مشيرةً إلى أن «أميركا لو كانت صادقة، لاستهدفت داعش وتجمعاته في جرف الصخر والفلوجة وغيرهما من المناطق، بدل استهدافها لقوات الجيش والحشد».
وتقود رواية المصادر إلى وجود اتصال مع مصادر رفيعة في «القوّة الجويّة العراقية»، أكّدت في حديثها إلى «الأخبار» أن «طائرات أميركية (نفاثة ومروحية) حلّقت على علّوٍ منخفض جدّاً أثناء المعارك في محيط الفلوجة، وبيجي، والرمادي، وفي مناطق الخالدية غربي الفلوجة، في مناطق وجود داعش، دون أن تقوم بأي غارة هناك»، مشدّدةً على أن «فرق الاستطلاع الخاصّة بالجيش أعلمت غرفة عملياتها بوجود تلك الطائرات فوق الفلوجة، إلا أن الجانب الأميركي رفض التواصل مع الجانب العراقي، ورفضوا وجود الطائرات العراقية في مناطق عملهم». وتضيف المصادر أن «شكّاً اعترى عدداً من قادة القوّة الجوية، إلا أن مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي أمر مباشرةً بإغلاق الملف، ولم يسمح لهم بالتحليق هناك، وهدّدوهم بالصرف من السلك إن لمّحوا أو أشاروا في الإعلام إلى هذا الأمر»!
ولا تنتهي الرواية عند هذا الحد، إذ إن عدداً من قادة الجيش العراقي، والأجهزة الأمنية، و«الحشد الشعبي» أيضاً، أبدوا انزعاجهم الكبير من العبادي «ومن سطوة الأميركي على قراره»، وذلك بالتزامن مع اتخاذ الأخير «سلسلة تغييرات طالت فريق مستشاريه، وكان لافتاً فيها استبعاده لفريقه السابق، واستبداله بفريق ذي لونٍ واحد، ومرتبط بشكلٍ مباشر بالإدارة الأميركية». وتستند المصادر في روايتها إلى أن العبادي يسعى بذلك لبناء «شعبيةٍ بأي شكلٍ ممكن»، إذ تنقل عن رئيس الحكومة قوله لأحد مقرّبيه: «ما حد يلزم ظهري غير الأميركان وحلفائهم».
جدير بالذكر أنه مع استعداد القوى العراقية المختلفة لعمليات «قادمون يا نينوى»، في تشرين الأوّل الماضي، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما إرسال 600 جندي إلى العراق بصفة مستشارين، ليتجاوز العدد الإجمالي المعلن خمسة آلاف عنصر، فيما يؤكّد مصدر مطّلع لـ«الأخبار» أن «عديد القوات الأميركية في البلاد يبلغ اليوم أكثر من 15000 جندي، تحت مسمّى مستشارين، وموزّعين على عددٍ من القواعد العسكرية في مختلف أنحاء العراق». «طبعاً مو معقول يكون العدد كلو مستشارين»، يقول المصدر بلكنته العراقية، واصفاً بلاد الرافدين بأنها باتت «ميدان خيول دولية... كل دولة إلها مربط خيلها عنّا».