استبقت إسرائيل مفاعيل اللقاء المرتقب بين رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، فشرعت في حملة سياسية وإعلامية ضد تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية. ومع أن السقف الإسرائيلي طموح جداً على مستوى المصالح والأماني، فإن تل أبيب مضطرة إلى ضبط إيقاعها وفق وتيرة إدارة ترامب التي لم تكتمل حتى الآن صورة معالم خطتها في مواجهة الجمهورية الإسلامية.


ولم يكن الاعتراض الأميركي على التجربة الصاروخية الإيرانية نتيجة مخاوف من إمكانية حمل رؤوس نووية، كما قالت السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، أو لكونها خرقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، بل تلبية لمطلب إسرائيلي بالدرجة الأولى، يتكرر على الدوام على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين. كما أتى الموقف الأميركي بالتزامن مع تأكيد نتنياهو أنه سيطرح على ترامب خلال لقائه به منتصف الشهر الجاري «الحاجة إلى استئناف فرض العقوبات على إيران: عقوبات ضد الصواريخ البالستية وعقوبات إضافية ضد الإرهاب، ومعالجة الاتفاق النووي الفاشل».
ومع أن التجربة الصاروخية الأخيرة، التي أكدها وزير الدفاع الإيراني، هي امتداد لسلسلة طويلة من التجارب الصاروخية السابقة، وتندرج ضمن إطار تطوير قدرات طهران العسكرية والصاروخية، فإن ما يميزها أنها الأولى التي تجري في عهد ترامب، وبعد أيام قليلة على دخوله البيت الأبيض، لذلك هي تنطوي حكماً على أكثر من رسالة واختبار.
تؤكد الجمهورية الإسلامية بهذه التجربة تمسكها بثوابتها التي تتصل بتطوير قدراتها العسكرية في مواجهة رسائل التهويل التي سبقت وأعقبت انتخاب ترامب. ويعني ذلك أنها ستمضي في سياساتها الدفاعية والإقليمية أيضاً، وفق مفهوم أن ثوابتها ما بعد ترامب هي نفسها كما كانت قبله. في السياق نفسه، يصح وضع التجربة في كونها جزءاً من رسائل إظهار القوة التي يبدو أنها ستحتاج إلى تكرارها بأساليب مختلفة في أكثر من محطة لاحقاً. وعلى الخلفية عينها، تشكل التجربة الصاروخية محطة اختبار فعلية لنيّات الرئيس الأميركي الجديد في الكشف عما يختزنه من أفكار وخطوات ضد إيران.
لم يكن التركيز الإسرائيلي على القوة الصاروخية لإيران لكونه مدخلاً للضغط عليها، بل أيضاً لأن سلاح الصواريخ كان له الدور الأكبر في إنتاج وإرساء معادلة ردع متبادل في مواجهة إسرائيل أو حتى في مواجهة سيناريو اعتداء أميركي ضد منشآتها النووية والاستراتيجية. ويلاحظ أن إيران ارتكزت في استراتيجيتها العسكرية، من ضمن عناوين أخرى، على السلاح الصاروخي لاعتبارات متعددة من ضمنها أنه يمكِّنها من الدفاع والرد على أي اعتداء قد تتعرض له، مع الأخذ بالحسبان الفارق التكنولوجي والعسكري بينها وبين أعدائها. فلولا قدراتها الصاروخية التي أنتجتها وطوَّرتها لما استطاعت فرض معادلة ردع وفرت حتى الآن منسوب حماية سمح لها بالتفاوض من موقع القوة حول برنامجها النووي.
أما الدافع الأشد خطورة بالنسبة إلى إسرائيل، فهو أن تطور القدرات الصاروخية لإيران ينعكس أيضاً تنامياً في القدرات الصاروخية لحزب الله. وهو ما يمثل لتل أبيب أهم مصدر تهديد لعمقها الاستراتيجي وجبهتها الداخلية. ونتيجة ذلك، استطاع محور المقاومة أن يفرض معادلة ردع فعالة جداً في مواجهة إسرائيل وفرض قيود محكمة (من دون أن يلغيها) على هامش الاعتداءات الإسرائيلية.
وما فاقم الأزمة الإسرائيلية أن إيران استطاعت انتزاع تحييد تطوير قدراتها الصاروخية إلى جانب سياساتها الإقليمية من طاولة المفاوضات. وشكل هذا الإنجاز أحد أهم منابع القلق والاعتراض الإسرائيليين على الاتفاق. لكن، في أعقاب انتخاب ترامب تجددت الرهانات الإسرائيلية إزاء أكثر من سيناريو، ومنها في الحد الأدنى إعادة فرض عقوبات على إيران تحت عناوين تتصل بقدراتها الصاروخية وسياساتها الإقليمية، في ما يتعلق بسوريا ودعم المقاومة في لبنان وفلسطين. وتهدف إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أكثر من هدف: تقييد إمكانات إيران في تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والعلمية، وتأليب الشعب الإيراني على النظام الإسلامي في طهران، وأيضاً الحد من قدرتها على دعم حلفائها في محور المقاومة.
في سياق الدفع نحو هذا المسار، أطلقت إسرائيل حملة تمهيدية للقاء نتنياهو ــ ترامب، في منتصف الشهر الجاري، حول القدرات الصاروخية لإيران، كان رائدها نتنياهو، الذي وصف التجربة الصاروخية بـ«العدوان الإيراني الذي ينبغي أن لا يبقى دون رد»، وتبعه في ذلك عدد من المعلقين والخبراء.
في المقابل، قد تكون تل أبيب في مرحلة مراقبة واستكشاف طبيعة وحجم رد فعل إدارة ترامب على التجربة الصاروخية وما قد يليها من خطوات، كونها ترى فيها مؤشراً على قياس ما إذا كانت سياسات ترامب الفعلية ستكون ضمن الطموح الإسرائيلي، أو ستبقى أسيرة معادلات الإقرار بحدود مفاعيل القوة.