لعلّ «الكيمياء» هي الكلمة المفتاح لفهم العلاقة «الدافئة» بين السيسي وترامب. بالنسبة إلى سيّد البيت الأبيض، لم تكن عبارات الإطراء للسيسي حينها، مجرّد أقوال يريد من خلالها تسجيل موقف انتخابي ضد هيلاري كلينتون، من بوابة «التعليم» على باراك أوباما، ومن خلفه وزيرة خارجيته السابقة ومرشّحته للبيت الأبيض، حول سياسته المعادية للنظام الحاكم في مصر، والذي يخوض معركته المحلية مع «الإرهاب الإسلامي».


أما بالنسبة إلى ساكن قصر الاتحادية، فإنّ الأجواء الودّية التي رافقت اللقاء التعارفي النيويوركي مع ترامب «بشرة خير»، ولعلّ هذا ما جعل السيسي من بين قلة حول العالم استقبلت نتائج «الثلاثاء الكبير» في الولايات المتحدة، صباح التاسع من تشرين الثاني عام 2016، بتفاؤل لا يعتريه أي شك، حتى أنه كان الرئيس العربي الأول الذي يبادر إلى تهنئة ترامب، غداة انتصاره الانتخابي المدوّي.
كثيرة هي القواسم المشتركة التي تشكل البيئة المناسبة لنموّ «الكيمياء» بين ترامب والسيسي، فالرجلان يتشاركان مواقف تكاد تكون تجاه الكثير من القضايا، سواء في الخطاب السياسي الداخلي المبني على شعارات ترامبية من قبيل «سنجعل أميركا قوية»، التي تذكّر بالشعار السيساوي «مصر أم الدنيا وهتبقى أدّ الدنيا»، وصولاً إلى القضايا الأكثر عمقاً، وفي طليعتها المقاربة الواحدة «للخطر الإرهابي» الذي تمثله قوى الإسلام السياسي، وسبل مواجهته، التي من أجلها يمكن تحييد الكثير من «المعايير الأوروبية» لحقوق الإنسان.
هذان العنصران، المشكّلان لتفاعل «الكيمياء»، يصوغان، من دون شك، مناخاً ملائماً، للتقارب الترامبي ــ السيساوي إزاء الكثير من الملفات الأخرى، ولا سيما الإقليمية منها. وبالرغم من أن كلاً من الرجلين ما زال محافظاً على مساحته الخاصة، فإن عوامل التقارب بدت سريعاً من خلال جملة مؤشرات، كانت أبرزَها الاستجابة السريعة من قبل السيسي لسحب مشروع القرار المصري في مجلس الأمن الدولي بشأن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واستثناء ترامب مصر ــ كما السعودية وتركيا ــ من قرار حظر السفر المثير للجدل.
واللافت للانتباه، في هذا السياق، أنّ الحكومة المصرية، بخلاف دول إسلامية كبرى، امتنعت عن إصدار أي تعليق علني بشأن قرارات ترامب، ولعلّ ذلك لا يعود إلى استثناء مواطنيها من إجراءات حظر السفر، المنافية للحقوق الإنسانية، بقدر ما يرتبط، ربما، بتغاضي ترامب عن التجاوزات/الانتهاكات التي يشكو منها الناشطون المطالبون بالديموقراطية في مصر.
ويقول مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى لـ»الأخبار» إن العلاقات المصرية ــ الأميركية في أفضل حالتها منذ أكثر من عشر سنوات، وهي عادت تحديداً كما كان عليه الوضع في عهد الرئيس الأسبق بوش الابن، وذلك بعدما بلغت مستوىً متدنياً خلال عهد باراك أوباما، الذي عمدت إدارته إلى تجميد مؤقت للمساعدات غداة عزل الرئيس «الإخواني» محمد مرسي، غداة «ثورة 30 يونيو» عام 2013.
ووفق المصدر الدبلوماسي المصري، فإن تنسيقاً أميركياً واسعاً يجري على مختلف المستويات، وسط توافق كامل في الرؤى تجاه العديد من الملفات الإقليمية والدولية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، بينما لم تتطرق أي مناقشات بين الجانبين إلى الملف الإيراني من قريب أو بعيد.
ويشير المصدر المصري إلى أن التنسيق السياسي بين القاهرة وواشنطن يجري من طريق رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية. ويضيف أن اتصالات بين الرئيس المصري والملك الأردني عبد الله الثاني سبقت زيارة الأخير للولايات المتحدة قبل أيام، حيث أجرى محادثات مع ترامب في البيت الأبيض، فيما توجه وزير الخارجية سامح شكري، إلى الأردن للتباحث في نتائج تلك الزيارة، ورصد أجواء اللقاء ترامب وعبد الله الثاني.
وفي الوقت الحالي، تعكف الدوائر السياسية في الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية على إعداد ملفات زيارة السيسي المرتقبة للولايات المتحدة، التي يرجّح المصدر الدبلوماسي أن تجري قبل نهاية شهر آذار المقبل.
ومما لا شك فيه، أنّ تلك الزيارة المرتقبة، التي رفضت إدارة أوباما ترتيبها في السابق، ستشكل محطة أساسية في وضع الخطوط العريضة للعلاقات المستقبلية بين السيسي وترامب، وستغيب عنها بالتأكيد مسائل تثير حساسية النظام المصري، كمسألة الحريات العامة وحقوق الإنسان.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في «جامعة القاهرة» مصطفى كامل السيد، لـ»الأخبار»، إن «ترامب يضع مسألة مكافحة الإرهاب على قمة أولوياته، ونظراً إلى أن مصر تخوض حرباً ضد جماعات مسلحة في سيناء وأنحاء أخرى من الوطن، فإنّ ثمة مصلحة مشتركة للتقارب بين البلدين».
ولعلّ ما يجعل السيسي مرتاحاً في لقائه المباشر الأول مع ترامب في البيت الأبيض، أن الرجلين يتشاركان رؤية متقاربة في ما يتعلق بـ»الحرب على الإرهاب»، حتى أن عباراتهما تبدو متشابهة بين حديث الرئيس الأميركي عن «اجتثاث التطرف الإسلامي» وتعهد السيسي بـ «اقتلاع جذورالإرهاب والتطرف».
انطلاقاً من ذلك، قد يجد السيسي آذاناً صاغية من ترامب، وهو يتحدث عن المعركة القاسية التي تخوضها القوات المسلحة المصرية ضد «داعش» في سيناء، بما تتطلّبه من دعم على المستويين السياسي والاقتصادي والعسكري، علماً بأن الرئيس الأميركي سبق أن أعرب مباشرةً، في خلال اتصاله الهاتفي الأخير بنظيره المصري، عن تعهده بتقديم الدعم اللازم لمصر في حربها على الإرهاب.
وتُعدُّ مصر ثاني أكبر الدول المستفيدة من المساعدات العسكرية الأميركية، إذ تحصل على نحو 1.3 مليار دولار سنوياً، ولكن تلك المساعدات أصبحت اليوم مهددة بضوابط جديدة وضعتها إدارة أوباما، بعد سقوط نظام «الإخوان المسلمين»، لضمان استخدامها في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، حتى أن الكونغرس الأميركي جعلها مشروطة بما يشبه «شهادة حسن سلوك» من جانب وزير الخارجية لاختبار «الديموقراطية».
ولذلك، ثمة من يتوقع قيام ترامب بتحرير الدعم العسكري، وإمكانية البحث في تعزيزه، ليس على مستوى قيمته الإجمالية، بل في اعتماد أنواع جديدة من المساعدات في ضوء المتطلبات الجديدة للحرب على الإرهاب.
ولكن ما يتوقع السيسي الحصول عليه في السياسة قد يتجاوز بكثير ما يمكن نيله كدعم اقتصادي وعسكري، فثمة نقاش جديد يجري في الدوائر الأميركي بشأن تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» منظمةً إرهابية.


العلاقات المصرية
الأميركية في أفضل حالتها منذ أكثر من عشر سنوات

وبعيداً عن الطابع «الإيديولوجي» الذي قد تروّج من خلاله إدارة ترامب لتلك الخطوة، من قبيل التركيز على ما يراه البعض ترابطاً عقائدياً بين «الإخوان المسلمين» وباقي التنظيمات التكفيرية، كـ «القاعدة» و»داعش»، فإن الذهاب نحو إدراج الجماعة المحظورة في مصر على قائمة التنظيمات الإرهابية، يشي بأن الإدارة الأميركية الجديدة تمضي باتجاه استعادة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في ما يشكل انقلاباً سياسياً على توجهات إدارة باراك أوباما، التي لطالما نظرت إلى «الإخوان» باعتبارها واحدة من الجماعات المعتدلة في الإسلام السياسي التي يمكن التعاون معها، لا بل تشجيع مشروعها الإقليمي، كما حدث بعد أحداث «الربيع العربي».
وبطبيعة الحال، إن خطوة كهذه، إلى جانب تعزيز العلاقات مع مصر، تجعل الأخيرة قادرة مجدداً على القيام بدور محوري في الشرق الأوسط، بما ينسجم مع المصالح الأميركية، في الكثير من الملفات الحساسة، مثل ليبيا وسوريا واليمن وفلسطين.
ولكن هذا الأمر يتطلّب، من الجهة المقابلة، إبداء بعض المرونة من جانب مصر، في بعض علاقاتها المتوترة مع هذا الطرف أو ذاك في الإقليم، ولا سيما مع تركيا، إذا ما قررت إدارة ترامب جعل الأخيرة ركناً في التحالفات الإقليمية الجديدة.
ووفق ما يقول المصدر الدبلوماسي المصري لـ «الأخبار»، فإنّ الإدارة الأميركية الجديدة تعوّل بنحو رئيسي على مصر والأردن في التعامل مع المنطقة العربية، على أن يعود الدور الريادي لمصر، سواء في مجال مكافحة الإرهاب، أو على مستوى العلاقات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبدي مصطفى كامل السيد، في حديثه إلى «الاخبار»، اعتقاده بأن تفعيل العلاقات المصرية ــ الأميركية من بوابة الحرب على الإرهاب من شأنه أن «يعزز الجناح (من الدول العربية)، الذي يتمتع بثقة الإدارة الأميركية، لأنه سيجمع كل أطرافه تحت مظلة واحدة، هي الحرب على الإرهاب، وهو ما يشمل مصر والسعودية وباقي دول الخليج، بالإضافة إلى الأردن والمغرب، سواء عبر تعزيز موقفها داخل حدودها، أو تدعيم علاقاتها الثنائية والمتعددة، بما يفضي إلى تجنب الخلافات في ما بينها، وإعلاء مصلحة مشتركة، تتمثل بضرورة التصدّي للخطر الإرهابي».
ويتفق أستاذ العلوم السياسية في «جامعة القاهرة» محمد كمال، في موقفه، مع الرأي السابق، إذ يرى أن «مصر يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في الحرب على الإرهاب»، وهو ما سيعزز دورها المحوري، خصوصاً أن ثمة إدراكاً من قبل كافة الأطراف الفاعلة على أن «الاستقرار في مصر يساعد على الاستقرار في الشرق الاوسط»، لافتاً إلى أنه «بصرف النظر عن طبيعة العلاقات السائدة حالياً (في الإقليم)، فإن تعزيز العلاقات بين القاهرة وواشنطن سيفضي إلى تدعيم دور مصر الإقليمي في ملفات معينة»، مشيراً في هذا الخصوص إلى الملف الليبي «المعنية به مصر بالدرجة الأولى»، والملف السوري حيث «يمكن مصر أن تستثمر موقعها، باعتبارها تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا»، للإسهام في إيجاد حل سياسي للصراع السوري، والملف الفلسطيني، حيث يمكن القاهرة طرح أفكار «للتسوية السلمية» المجمّدة، في ظل انسداد آفاق التفاوض منذ سنوات.




تباين حول سبل التنسيق العسكري

برغم الدفء الواضح في العلاقات المصرية – الأميركية منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إلا أن ثمة نقاطاً لم تُحسَم حتى الآن، وإن كانت لا تؤثر بالعلاقات بين البلدين.
ووفقاً لما يقوله مصدر دبلوماسي مصري لـ «الاخبار»، إن أبرز نقاط التباين، هي فكرة استضافة مصر للاجئين سوريين في مخيمات، في مقابل الحصول على أموال دعم لهذه المخيمات.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز قضية فتح المطارات العسكرية المصرية أمام الطائرات الأميركية لشنّ غارات على تنظيم «داعش»، وهي نقاط رفضتها مصر علناً من قبل رفضاً قاطعاً، لكن مسألة التنسيق العسكري مع القوات الأميركية على غرار ما حدث في «حرب تحرير الكويت» قيد المناقشة بالوقت الحالي في نطاق المؤسسات العسكرية المصرية.
ويقول المصدر إن المقترح الوحيد الذي تجري مناقشته مرتبط بالسماح باستخدام المنشآت العسكرية المصرية في نطاق «الحرب على تنظيم داعش في ليبيا وسوريا» وبنطاق محدود للغاية وفي الأماكن الحدودية، مع توفير دعم استراتيجي لكن وسط استبعاد ــ حتى الآن ــ أي تدخل بري، وذلك وفق المناقشات التي تجري بين العسكريين المصريين ونظرائهم الأميركيين.