«ما فيه حل إلا أنو نسكّر هالبلد بقى ونروح»، عبارة قاسية كتبها أحد الزملاء السوريين على صفحته «الفايسبوكية»، كناية عن تدهور الأوضاع المعيشية يوماً بعد يوم، على مشارف الدخول في السنة السابعة من الحرب. السائقون المتحركون من اللاذقية إلى العاصمة السورية يشعرون بالتفوق على الآخرين، باعتبارهم يمتلكون البنزين اللازم للسفر، أو إمكان تزويد سياراتهم بالوقود إذا فرغت منه. «المدعوم» هو من فاز منهم بكمية احتياطية من البنزين، احتفظ بها في وعاء بلاستيكي يكفي لإعادة تحريك السيارة في حال «الانقطاع».


المشهد سوريالي تماماً للعابرين في شوارع اللاذقية. طوابير السيارات على محطة الوقود القريبة من مركز «أورانج» التجاري تتجاوز دوار الأزهري، وسط حالة شلل في جميع الشوارع، جعلت من «الأميركان» مثلاً، أكثر الشوارع ازدحاماً، فارغاً تماماً من السيارات. على محطات الوقود يلحظ المرء وجوه المنتظرين داخل سياراتهم، والبؤس والسأم يأكل ملامحهم. بعضهم غفا في أثناء انتظاره أن تأتي خزانات الوقود، فيما أوقف أغلب الناس سياراتهم، وفوّضوا أمرهم إلى السماء والحكومة العاجزة عن إيجاد حل للأزمة الخانقة. مشاكل عدة واجهها الناس العاديون وقوات حفظ النظام، من خلال محاولات تجاوز الدور المفروض ووقوع أكثر من شجار أدى إلى حالات إطلاق النار. المخابز توقفت عن العمل أيضاً، باستثناء الفرن الآلي الحكومي، حيث ازدحم الآلاف للحصول على الخبز. يروي معتز، شاب ثلاثيني، باستهزاء عن دخوله إلى أحد المخابز الخاصة، الذي كان يعرض، سابقاً، أكياس الخبز على واجهة مخبزه. ربطتا خبز فقط لا غير، ما بقي لدى الرجل، ما جعل الشاب يحاول شراءهما، غير أن الخبّاز اكتفى ببيعه واحدة فقط، قائلاً بسخرية فيها من المرارة ما يكفي: «هي بدي آخدها لمرتي لحتى أقدر فوت عالبيت». المحالّ التجارية وسط سوق اللاذقية مغلقة قبل حلول المساء، إذ لا كهرباء إلا ما ندر، ولا وقود لتشغيل المولدات، بحسب قول سليم، صاحب أحد محالّ السوق التجاري. ويتابع قوله: «سكّرت محلّي وقعدت بالبيت. أصلاً ما معي بنزين بالسيارة لروح عالشغل». لا همّ للمسافرين من المدينة سوى الخروج بأمان، بعيداً عن بيوت هجرتها الكهرباء، وسط أزمة متفاقمة بلا أية حلول مقترحة بعد سنوات عدة من الرد الحكومي بالتحايل على المشكلة بدلاً من اقتراحات ودراسات قد تؤدي إلى حل ما. معظم الناس يتحركون سيراً على الأقدام، في مشهد مثير للاستياء في كل مكان من المدينة الساحلية.
وعلى الطريق الدولي بين الساحل والعاصمة السورية، ليس الوضع بأفضل حالاً في جميع محطات الوقود. طوابير طويلة ومخيفة، بحيث يستحيل ملء خزان سيارتك خلال وقت محدود، في ظل عدم توافر الوقود أساساً، ليتوج الأمر بالوصول إلى العاصمة التي تكاد تخلو شوارعها، ما يجعلها لا تشبه العواصم في شيء. هُنا كل الأيام تشبه يوم الجمعة (يوم العطلة)، في ظل عدم توافر الوقود والازدحام الهائل على جميع المحطات التي تتوافر فيها كميات محدودة منه. مشاكل توفير أدنى متطلبات الحياة صارت سمة المعيشة في العاصمة، بعد أزمة الماء والغاز والكهرباء، ليبدو كل فعل يقوم به أحد أبناء المدينة مقاومة للحصار المفروض على الحياة فيها. يشرح أبو أحمد، سائق سيارة أجرة، كيف يناضل يومياً لملء سيارته، حتى لا يضطر إلى الجلوس في المنزل، ما يعني أن يجوع أطفاله، بسبب اعتماده على دخل يومي. «إذا ما اشتغلت ما باكل»، يقول الرجل الخمسيني. ويحكي عن آلية التواصل مع زملائه السائقين، بالعمل على إبلاغ بعضهم لبعض، بوصول الوقود إلى إحدى المحطات، ليهرع الجميع إليها ويحجز دوره. ساعات طويلة بات يقضيها هؤلاء بانتظار الوقود، في سبيل ألّا يعود كل منهم إلى منزله بجيوب فارغة. وبحسب إجابة وزير النفط عن أسئلة أعضاء مجلس الشعب في جلسة برلمانية قبل أيام، فإن باخرة نقل للوقود أُوقِفَت وصودرَت في عرض البحر، ما منع وصولها إلى السواحل السورية. وعلى ذمة الوزير، فإن المشكلة ستبدأ بالحل اعتباراً من بعد غد الاثنين، دون أن يفصح الوزير عن آلية الحل المتبعة حكومياً. أمر يعبّر عنه البعض بالسؤال: «هل لدى الحكومة كهرباء وفيول وتحجبه عن الشعب؟ أم أن الاحتياطي لديها نضب وتتحمل مسؤولية عدم الاستعداد لذلك؟». وفي الحالين الإجابة عن أسئلة الشارع تحددها منازل المسؤولين وسياراتهم التي لم تمتنع عن التحرك في شوارع العاصمة.