"مصر أين... وإلى أين؟". السؤال الذي لازم محمد حسنين هيكل في سنواته الأخيرة، لا يزال مطروحاً اليوم. لكن ما تبدّل هو غياب "الأستاذ"، الذي لطالما كان قبلة المتابعين للتحولات الجارية على الساحة المصرية، وخصوصاً بعد مرحلة "25 يناير و30 يونيو"، التي فتحت باب الحوار على مصراعيه، حول الحاضر والمستقبل.


في الذكرى السنوية الأولى لرحيله (تصادف يوم غد)، يبدو الكثير من زوايا النقاش مساحات فارغة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بكواليس السياسة في مصر، أو في العلاقة التفاعلية بين الداخل المصري والمحيط الإقليمي. تلك المساحات الفارغة يعجز الكثيرون اليوم عن ملئها بعد رحيل "الأستاذ"، تماماً كما تفتقد الصحافة العربية "المرشد"، الذي، وإن اختلف كثيرون مع مقاربته، يبقى ملهماً لنمط افتقدته البيئة الإعلامية، في زمن "الوجبات السريعة"، التي باتت نمطاً استهلاكياً لم تسلم منه المادة الصحافية.
"الجورنالجي"، كان اللقب الأحب على قلب هيكل، بالنظر إلى معناه، الذي بات مرتبطاً بالصحافي الحريص على المهنة، والثابت على معاييرها، مهما تبدّلت الظروف. لعلّ قلّة من الصحافيين اليوم تستحق هذا اللقب عن جدارة التمثل بـ"الأستاذ" الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، منذ تحقيقه الأول عن "الكوليرا" في صعيد مصر، قبل أن يصبح ملازماً لمجمل التطوّرات المفصلية التي شكلت تاريخ مصر الحديث، بدءاً بعلاقته الحميمة بالرئيس جمال عبد الناصر، مروراً بسنوات القربة والفرقة مع أنور السادات، وبعدها الابتعاد الكلّي عن دوائر السلطة السياسية في عهد حسني مبارك، وصولاً إلى كل التحولات التي شهدتها مصر منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني عام 2011، ومن ثم الثلاثين من حزيران عام 2013، حين تحوّلت كلمات "الأستاذ" رموزاً يلتقطها المتابعون لمحاولة فهم ما يجري، في زمن العواصف الداخلية والإقليمية.
في الذكرى السنوية الأولى لرحيله، تنشر "الأخبار" بدءاً من يوم غد، بالتزامن مع صحف عربية أخرى، عشرة فصول من كتاب "أحاديث برقاش... هيكل بلا حواجز" للكاتب المصري عبدالله السناوي (تحت الطبع).
وتكمن أهمية كتاب السناوي، الذي يحمل اسم القرية التي كان يمضي فيها هيكل معظم أوقاته، في صومعة الكتب والوثائق، أن "الأستاذ" ــ وكما صرّح الكاتب نفسه في ندوة استضافها معرض القاهرة الدولي للكتاب أخيراً ــ لم يكتب مذكراته، وهو ما يجعل من المؤلف مرجعاً لمريدي هيكل، وخصومه على حد سواء، لمعرفة الكثير عن طريقة تفكيره، ولا سيما أن الحديث يدور حول جلسات نقاش خاصة، لا قلم وورقة فيها، ولا كاميرات تلفزيونية.

تنشر «الأخبار» بدءاً من الغد فصولاً من كتاب «أحاديث برقاش»