مات الشيخ عمر عبد الرحمن في السجن الأميركي. مات «الأمير الضرير» عن 78 عاماً. عندما أصبح محمد مرسي رئيساً لمصر، كأوّل إسلامي يصل إلى هذا المنصب، تعهّد، في خطابه الأوّل، أن يبذل الجهد لتحرير عبد الرحمن مِن سجنه. ذكره بالاسم. كان ذلك قبل نحو 5 سنوات. مات الشيخ، قبل يومين، فيما أصبح مرسي داخل السجن. مشهد درامي ربّما يلخّص مآل «حلم الإسلام السياسي» الذي عصف يوماً في هذه البلاد.
نحو 24 عاماً في السجون الأميركيّة قضاها عبد الرحمن. أصيب خلالها بالكثير مِن الأمراض، ليس سرطان البنكرياس إلا أحدها، وهو الضرير مذ كان رضيعاً في الريف المصري. لم تبادر بلاده إلى طلبه، رغم مناشداته الكثيرة، ورغم ميل الأميركيين أخيراً، إلا أنّ مصر «مش ناقصة دوشة». ذات يوم، طالب به الشيخ أسامة بن لادن، في كلمة مُسجّلة، قائلاً: «نحمّل أميركا المسؤوليّة الكاملة في اعتدائها على رمز مِن رموز الإسلام، وعلى وريث مِن ورثة النبوّة، الشيخ عمر عبد الرحمن، الذي يُعتبر مِن كبار علماء الإسلام الذين صدعوا بالحق». قتَلت أميركا بن لادن، ألقت جثّته في بحر العرب، وبعد نحو 6 سنوات لفظ عبد الرحمن أنفاسه الأخيرة في سجن كارولينا الشماليّة.

قبل ذلك، كانت «طائرات بن لادن» قد ضربت مركز التجارة العالمي في نيويورك، المكان نفسه الذي شهد تفجيراً سابقاً، إنّما أقلّ ضرراً، والذي بنتيجته زُجّ بعبد الرحمن في السجن. كان ذلك عام 1993. كان الشيخ المصري مقيماً، كداعية وإمام مسجد، في الولايات المتّحدة. درجت عادته هناك، مِن على منبر مسجد صغير في بروكلين، أن يُهاجم النظام المصري والأنظمة العربيّة «الكافرة». دعا مرّة إلى اغتيال الرئسي المصري السابق حسني مبارك. لم يكن يُهاجم المصالح الأميركيّة علناً. لكن بعد تفجير سيارة مفخخة أسفل مبنى المركز المذكور، والذي أدّى إلى سقوط 6 قتلى وعدد كبير مِن الجرحى، اعتقلته السلطات الأميركيّة. قبل اعتقاله، ظهر على قناة «سي أن أن» وتبرّاً مِن الحادثة، قائلاً: «نحن لا نحبّ ولا نُقرّ أيّ اعتداءات لا على بنايات ولا على أشخاص». بداية، لم تثبت تهمة «التحريض» عليه، رغم توقيف عدد مِن المتّهمين الذين كانوا يرتادون المسجد. لاحقاً، ظهرت تسجيلات صوتيّة للشيخ يردّ فيها على سؤال «أحد المؤمنين» حول جواز تفجير مركز الأمم المتحدة، فيقول: «يجوز ضربهم، إنّهم أعداء للإسلام، ولكن هذا سيجعل الناس يقولون إنّ الإسلام يُعادي السلام، ولهذا أنصحك بالتفكير في مكان آخر. فكّر في ضرب أهداف عسكريّة أفضل». بهذا أدين الشيخ. حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة. في مرحلة لاحقة، سيتبيّن أن الذي نقل هذه التسجيلات إلى الاستخبارات الأميركية هو عماد سالم. هذا الشخص الغامض الذي لم يُكشَف كلّ سره إلى اليوم، كان مِن أوائل الذين استقبلوا الشيخ في أميركا بعد مغادرته السودان. يُظهر نفسه متحمّساً لمحاربة «أعداء الدين» وأنّه مع المعارضة. لقد استغل غربة الشيخ وجهله بأساليب العيش في بلاد «الهمبرغر». سيُقال لاحقاً إنّ سالم، بصفته أحد أبناء الجالية المصريّة في أميركا، إنّما هو عميل مزودج للاستخبارات الأميركيّة فضلاً عن كونه ضابط أمن مصرياً.
مات الشيخ عمر عبد الرحمن. رجل الدين الأزهري بداية، ومِن ثمّ «أمير الجماعة الإسلاميّة» في مصر، بعدما قصده كوادر مِن «الحالة السلفيّة» في سبعينيات القرن الماضي، واختاروه «أميراً» عليهم. قبِل هو بذلك. كان، سابقاً، قد عُرف عنه كرهه للرئيس المصري جمال عبد الناصر في الستّينيات. وصفه مرّة، وهو في مصر، بـ»الفرعون». وصل به الأمر أن رفض الصلاة عليه بعد موته. إنّه «كافر». تُصبح المواقف بعد هذا بديهيّة. أُودع السجن مدّة أقلّ مِن سنة. ويأتي عهد أنور السادات، وتُفتح البلاد على «الإيمان» المُسيّس، فيُراعى «الإسلاميّون» ويُفرَج عنهم... لتحويلهم إلى أوراق لعب. يُعار الشيخ إلى السعوديّة للتدريس. يقضي فيها 3 سنوات. وداعاً لتقليديّة «الأزهر». أهلاً بالتوليفة «الوهابيّة ــ الإخوانيّة». ما مِن شيخ ذهب إلى تلك البلاد وعاش فيها، على مدى القرن الماضي، ثمّ عاد «طبيعيّاً»... إلا ما ندر. كأنّها سنّة لا محيص عنها.


جيل من «الضائعين» يأسفون لمصير شيخهم الذي مات بعيداً عن الديار

عاد الشيخ الضرير إلى مصر. عارض اتفاقيّة «كامب ديفيد». اغتيل السادات. سُجِن مُجدّداً. التهمة: التحريض على اغتيال الرئيس. جاء الرئيس حسني مبارك. بُرّئ الشيخ مِن التهمة. مبارك يُريد بداية عهد «نظيف». لن يكون له ذلك. سُتشعِل «الجماعة» البلاد وتُغرق مصر في دماء السيّاح الأجانب والمصريين. لا تزال «مذبحة الأقصر» حاضرة في الذاكرة المصريّة. لم يكن الشيخ حملاً وديعاً. كان «مكفّراتي» مِن الطراز الرفيع. عندما أُلقي القبض على قاتل فرج فودة في مصر، عبد الشافي رمضان، سأله القاضي عن سبب فعلته، فأجاب: امتثالاً لفتوى الشيخ عمر عبد الرحمن بقتله. (يسأله، هل قرأت لفودة؟ يُجيب كلا، إنّما الشيخ قرأ وأفتى). يطير الشيخ أخيراً مِن البلاد. إلى السودان، لفترة وجيزة، ثم إلى أفغانستان «المنتصرة على الإلحاد». هكذا كان يُردّد تلامذته، في الجماعة، الذين صار بعضهم قادة في تلك البلاد، ومِنهم مفتيهم عبد الآخر حماد. وتندلع المعارك بين أبناء الصفّ الواحد. المجاهدون الأفغان يأكلون بعضهم بعضاً. يعمل عبد الرحمن مُصلحاً بينهم. في مرحلة معيّنة، ربّما ملّ منهم، فطار إلى بلاد أخرى. إلى العاصمة البريطانيّة لندن. راح هناك يعمل داعيّة ويُسجّل في الإذاعات خطب تكفير «الأنظمة التي لا تحكم وفق الشريعة الإسلاميّة». احتضنته هناك الجالية الإسلاميّة التي كانت تعيش فورة الحسّ الديني. هم مَن أرسلوا في طلبه أصلاً لينهلوا مِن نبع أفكاره. كان لهم ذلك فعلاً. الشيخ هاني السباعي أحد ورثة ذلك التأسيس اللندني إلى اليوم. بعد ذلك، طار عبد الرحمن مُجدّداً، ولكن إلى أين؟ إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة. حصل على التأشيرة مِن السفارة في السودان. كيف حصل هذا؟ إنّه لغز لم يُحلّ إلى اليوم. ابنه يقول إنّ والده «ظنّ أنّ أميركا هي بلاد الحريّة، لكن (بيل) كلينتون غدر به مع مبارك». غريب! بعد اعتقاله، كتبت وسائل إعلام أميركيّة عن «لغز» التأشيرة التي حصل عليها، رغم كونه على «لائحة الإرهاب». إنّه عالم الاستخبارات السفلي.
إحدى المحاميات الأميركيّات، التي توكّلت عنه ودافعت في مرحلة لاحقة، عاقبها القضاء الأميركي لتعاونها معه «خلافاً للقانون». بعد ذلك، لم يبق له محامٍ إلا رامزي كلارك. وزير العدل السابق (والنائب العام) في الولايات المتّحدة. صرّح الأخير مرّة لقناة «الجزيرة» قائلاً: «لا أعتقد أنّه كان يوجد أيّ دليل ضد عبد الرحمن، بل كان هناك أحد الجواسيس يعمل لمصلحة الاستخبارات الأميركيّة، أوقع به. أقول اليوم أطلقوا سراح الشيخ، مِن أجل السلام، دعوه يعود إلى وطنه». عبد الرحمن الذي ينتمي إلى الرعيل الأوّل مِن «الجهاديين» الذين اصطفّوا لاحقاً في إطار تنظيم «القاعدة». قيادات مِن «الجماعة الإسلاميّة» التي ظلّ الشيخ أميرها إلى حين وفاته، ولو صوريّاً، التحقوا لاحقاً بالتنظيم المذكور. أبو محمد المقدسي، أحد أبرز المنظّرين العقائديين لـ»جيل القاعدة الذهبي»، كان أحد الذين نظّموا حملة دعائيّة للتضامن معه، إلى أن سُجن المقدسي نفسه. «التوبة» عن «التمسلف المُسلّح» التي أعلنها رهط كبير مِن قيادات «الجماعة الإسلاميّة» في مصر، وهم في السجن، واستمروا عليها بعد خروجهم، دفعتهم للقول إنّ بعض «المتنطعين» مِنهم غرّروا بالشيخ. ناجح إبراهيم أحد هؤلاء «التائبين». يعيش الأخير اليوم في مصر «الحيط الحيط». أصبح لاحقاً داعية لعدم الخروج على الحاكم الظالم بعدما كان يدعو إلى إحياء «الفريضة الغائبة» (الجهاد). تتفاقم «توبة» تلميذ عبد الرحمن فيخطّ كتاباً بعنوان «داعش السكين التي تذبح الإسلام». جيل مِن «الضائعين» يأسفون اليوم لمصير شيخهم الذي مات في السجن بعيداً عن الديار. ذات يوم قال الشيخ لزوجته عبر الهاتف مِن داخل زنزانته الأميركيّة: «أعيش في كرب شديد، ودعوات الأخوة الصالحين في مصر لا تصلني». كتب وصيّته قبل نحو 10 سنوات، داعياً «الأمّة» إلى إنقاذه، ومتحدّثاً عن معاناته داخل السجن: «يجعلونني أخلع ملابسي كما ولدتني أمي. ينظرون في عورتي مِن القبل والدبر. يستغلون فقد بصري في تحقيق مآربهم الخسيسة، فهم يفتشونني تفتيشاً يسيء إلي، ويجلعني أودّ أن تنشق الأرض ولا يفعلون معي ذلك». ويختم موصياً: «أيّها الأخوة، إنهم إن قتلوني ــ ولا محالة هم فاعلوه ــ فشيّعوا جنازتي وابعثوا بجثتي إلى أهلي. لكن لا تنسوا دمي ولا تضيّعوه، بل اثأروا لي منهم أشد الثأر وأعنفه».
هكذا تنتهي «تراجيديا» شخص، هو أكثر مِن مجرّد شخص، واحد مِن جيل مثّل «يأس الأمة» إثر تساقط طروحات الحلّ تترا. طروحات الشرق والغرب، المحلّي والمستورد، التي كانت تتبخّر فيما تتضاعف أعداد اليائسين... أمّا أميركا فهي أميركا. إنّها النهاية؟ هلّ ثمّة نهايات أصلاً؟ ألا يُمكن أن تكون بداية «شيء» مِن نوع آخر. مَن يعلم!