لا يقتصر التنافس بين "الأشقاء الخليجيين" على النفوذ العسكري والحجم الاقتصادي والمكانة السياسية، بل يتخطى ذلك جميعاً إلى القيادة الدينية والروحية للمسلمين، إن لم تكن الأخيرة هي البوابة لإعلاء الكلمة في ساحات تنازع أخرى.


هذا ما يبدو عليه الحال راهناً بين السعودية والإمارات، البلدين اللذين يمتد تاريخ خصومتهما المبطنة إلى عام 1971، تاريخ توحيد إمارات الساحل الغربي للخليج، بفعل قلق آل نهيان، آنذاك، من تجاوز آل سعود حدودهم الشرقية، وتهديدهم إمارة أبو ظبي الغنية بالنفط. مذاك، تحاول الإمارات تقويض ما تنسبه السعودية لنفسها من زعامة للعالم الإسلامي.
بدأ الأمر باستغلال أبو ظبي المناسبات الدينية، خصوصاً شهر رمضان، لإطلاق جوائز تنافسية بزت نظائرها السعودية وتفوقت عليها (كجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم). ترافق هذا مع تكثير "الأيادي البيضاء" ومدها إلى أماكن متفرقة من الدول الإسلامية تحت عنوانَي "الخير" و"العطاء". استراتيجية اتخذت خطاً تصاعدياً عقب أحداث 11 أيلول وما أفرزته لدى الرأي العام الغربي من غضب على الرياض، حيث وجدت الإمارات الفرصة سانحة لسحب البساط من تحت قدمي جارتها، وتعزيز حضورها تحت يافطة "الاعتدال" و"محاربة الفكر المتطرف". ومع سقوط "الإخوان المسلمين" في مصر، واعتلاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، سدة الحكم، استشعر الإماراتيون فائض قوة، دفعهم إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة في مواجهة السعودية.
هكذا، اندفعت الإمارات إلى استقطاب المشائخ والعلماء الموصوفين بـ"الوسطية"، والمحسوبين على مدرسة الأزهر. وبلغ الاستقطاب ذروته في تموز 2014، عندما أُعلن في أبو ظبي تأسيس "مجلس حكماء المسلمين"، بزعامة شيخ الأزهر، أحمد الطيب، بهدف "محاربة الطائفية، وتعزيز المنهج الوسطي في العالم الإسلامي". إثر ذلك، اندلق الدعم الإماراتي السخي على مراكز أولئك المشائخ، لا سيما الصوفيين منهم، ونشاطاتهم، بالتوازي مع حملة إعلامية متعددة الأذرع (شملت الإعلام الإماراتي لفترة محدودة، إلا أنها سرعان ما غادرته)، تروّج للأزهر بوصفه المرجعية الوحيدة لأهل السنة والجماعة.

يغري رجالات أبو ظبي
المشائخ في جنوب اليمن
بالسفر إلى الأزهر


على أسس تلك الاستراتيجية نفسها، تعمل الإمارات اليوم، حثيثاً، في جنوب اليمن، حيث يعتمل الصراع السياسي والعسكري بينها وبين حلفائها، منذراً بانفجار الأوضاع إلى غير رجعة هدوء في أي لحظة. المعلومات الواردة من هناك تفيد بأن رجالات أبو ظبي يغرون المشائخ الجنوبيين بالسفر إلى الأزهر، ويوفرون لهم جميع التسهيلات اللازمة المادية والمالية واللوجستية، بهدف تقييد الدوائر المحسوبة على السعودية، وشل قدرتها على التحرك في الجانب الدعوي. من هؤلاء المشائخ عضو ما كانت تسمى "الهيئة الشرعية الجنوبية للإفتاء والإرشاد"، محمد رمزو، الذي يتوجه إلى الأزهر للالتحاق بدورة لـ"تأهيل الدعاة". ومنهم أيضاً نائب رئيس "الهيئة الشرعية الجنوبية"، مناف الهتاري، الذي يعكف الآن على تحضير رسالته للدكتوراه في الأزهر. ووفق المعلومات، فإن مجموعة أخرى تتحضر للتوجه إلى مصر؛ إما للالتحاق بدورات دعوية أو لمتابعة الدراسات العليا.
أكثر مما تقدم، تتحدث مصادر من داخل عدن عن أن المراكز الصوفية، سواء في المدينة نفسها أو في المناطق المجاورة لها، بدأت تستعيد نشاطها بدعم إماراتي بعدما كان خبا دورها خلال الفترة الماضية. وتوضح المصادر أن تلك المراكز التي يتكون كل منها من مسجد ورباط للعلوم الشرعية وعيادة ملحقة بهما، كانت شبه متوقفة بفعل الخشية من التنظيمات الإرهابية، إلا أنها في الآونة الأخيرة عادت للظهور بـ"قوة"، خصوصاً في المنصورة والشيخ عثمان وكريتر بعدن، وفي أحور بأبين، وفي الوهط بلحج. وتشير المصادر إلى أنه، إلى جانب الدعم المالي المباشر، تتولى الإمارات ترميم المراكز الصوفية، وإصلاح الأضرار التي لحقت بها جراء المعارك، فضلاً عن تجهيز عياداتها بالأدوية والمستلزمات الطبية.
أما في حضرموت، فينصب اهتمام أبو ظبي على تعزيز تواجد الصوفيين ونفوذهم، من خلال الدعم المادي "السخي" الممنوح لهم، والتعاون معهم في نشاطات متنوعة، تندرج في إطار "الحرب الناعمة" التي تشنها الإمارات على شقيقتها السعودية. بعدما كانت الإعانة الرئيسة لمدارس صوفيي حضرموت وأربطتهم وأضرحتهم متركزة على الخط الرابط بين حضارمة دول شرق آسيا كأندونيسيا وماليزيا وحضارمة الداخل، اقتحم الإماراتيون ساحة الاستثمار في الصوفية في شرق اليمن، وصعدوا حركتهم على هذا الصعيد عقب خلو الساحة لهم هناك بفعل ظروف الحرب، مستغلين علاقاتهم المتميزة بالداعية الحبيب الجفري، رئيس مؤسسة "طابة" التي تتخذ من أبو ظبي مقراً لها، والتي كان لها الدور الرئيس في تنظيم مؤتمر "غروزني"، الذي استبعد الوهابية من تعريفه لأهل السنة والجماعة.
وإلى جانب الدعم المالي، تأتي المساندة الإعلامية إما بصورة تقوية للمؤسسات الصوفية القائمة (التابعة لدار المصطفى للدراسات الإسلامية في تريم، المؤسسة الصوفية الأكبر والأشهر في حضرموت)، أو باستحداث أخرى تشكل المواقع الإلكترونية حتى الآن السواد الأعظم منها، إلى جانب إذاعات محلية شهدت طفرة غير مسبوقة في الآونة الأخيرة، بفعل توجه السلطات المحلية المحسوبة على الإمارات إلى رفع القيود التي كانت مفروضة، سابقاً، على تراخيص الإذاعات الخاصة (أحدث هذه الإذاعات أطلقت قبل أيام في مدينة المكلا، عاصمة حضرموت، باسم "إذاعة القرآن الكريم"، ولا يستبعد متابعون أن يكون للإذاعة ارتباط بدار المصطفى، التي يرأسها الداعية عمر بن حفيظ باعلوي، عضو المجلس الاستشاري الأعلى لمؤسسة "طابة").
والملاحظ في المواقع الإلكترونية الممولة إماراتياً، أنها تفرز صفحات خاصة تحت عناوين ثقافية، للترويج للفكر والمنهج الصوفيَين ودفع التهم عنهما. ترويج يترافق مع تغطية مكثفة لـ"الأعمال الخيرية" الإماراتية، التي يبدو واضحاً أن الهدف منها دغدغة المشاعر الدينية، وكسب ولاءات المواطنين في المحافظات الشرقية، خصوصاً أنها تتخذ أغلب الأحيان مظهر الإعاشات والمساعدات العينية، لا المشاريع الاقتصادية والتنموية الكفيلة بإنعاش القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، وتوفير المتطلبات الرئيسة لمعيشة السكان.
في خلاصة المعطيات، يبدو أن أبو ظبي ماضية في تدعيم منهجها الديني المناوئ للسعودية، محاوِلة، هذه المرة، حجز موقع متقدم لها في قطار الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، الذي يرفع شعار "محاربة التطرف الإسلامي". محاوَلة تتبدى بصور عدة في المحافظات الجنوبية من اليمن، التي لا يظهر رائقاً للسعوديين اعتزام "أشقائهم" الاستفراد بها، بالسلاح والمال والدعوة، دون غيرهم. وهو ما يدفع الرياض إلى اتخاذ إجراءات استباقية، تجلى آخرها في مطار عدن، حيث أظهرت المملكة، بالتلطي خلف قرارات الرئيس المستقيل، عبد ربه منصور هادي، إصراراً غير مسبوق على تحجيم القوة الإماراتية. من هنا، لا يُستبعد أن تواصل الرياض خطواتها المضادة للإمارات على المستويات كافة، ليدخل الجنوب في دوامة جديدة من صراع بات يتهدد، حتى ما اعتُبر يوماً، وجهاً مسالماً (الصوفية) بعيداً من ألاعيب السياسة.




أكبر عدد من مرحّلي غوانتنامو... في الإمارات

في إطار سعيها المتقادم والمتواصل لتصدير نفسها بوصفها الوجه المعتدل للإسلام، في مواجهة الوهابية السعودية، استقبلت الإمارات خلال السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من المعتقلين المسرّحين من معتقل غوانتنامو الأميركي. وسُجلت خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عمليتا ترحيل إلى الإمارات، كانت أكبرهما وأكثرهما إثارة للانتباه في آب/أغسطس 2016، حيث رحلت الولايات المتحدة إلى أراضي حليفتها 15 سجيناً دفعة واحدة، في عملية غير مسبوقة منذ أن سلكت واشنطن هذا النهج قبل حوالى 10 سنوات، إذ سبق لدول عربية وأفريقية أن استقبلت أعداداً صغيرة ومتفرقة من مرحّلي غوانتنامو، إلا أن الإمارات كانت لها الحصة الأكبر (من غير السعوديين) بعدد بلغ، حتى الآن، بحسب ما هو معلن، 21 سجيناً. وتُخضع الإمارات هؤلاء السجناء لما تسميها "إعادة تأهيل" تستهدف "إعادتهم إلى الحياة الطبيعية كأفراد لا يشكلون أي خطر على المجتمع". ولعل ما تستهدفه أبو ظبي من وراء تلك الاستراتيجية يجليه بوضوح قول كتّاب إماراتيين إنه "سيُسجّل للإمارات أنها كانت أكثر دولة ساهمت في إنهاء معاناة سجن غوانتنامو".