على الرغم من التطورات العديدة التي حملها العام المنصرم على الساحة السورية، فإن برودة النقاشات التي سبقت عقد جولة محادثات جنيف التي تنطلق اليوم، تشير بوضوح إلى ما قد تفضي إليه. الجولة التي تم التمهيد لها في أستانة، عبر «ضمان» اتفاق وقف إطلاق النار، ستعقد بالتوازي مع عودة النار إلى العديد من الجبهات، وغياب واضح للحوار الدولي الفاعل بين داعمي الطرفين السوريين، الحكومي والمعارض.


ومع وصول الوفدين السوريين الحكومي والمعارض أمس إلى جنيف، أشارت تصريحات عرّاب المحادثات الأول، المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، إلى ضآلة الآمال بتحقيق تقدم خلال الاجتماعات، إذ أوضح الأخير أنه «لا يتوقع اختراقاً» في المحادثات، رغم إشارته إلى أن موسكو طلبت «بشكل رسميّ» من الجانب السوري وقف الغارات الجوية خلال فترة عقد المحادثات. ولفت إلى أن «اتفاق وقف الأعمال القتالية سيساعد بشكل كبير في دعم العملية السياسية»، مضيفاً أنه رغم «هشاشته» فهو يتطور ويتوسع ولا يزال صامداً. وأشار إلى أن هناك الكثير من الجهات التي يجب أن تحضر إلى المباحثات ولم تكن مشمولة حتى الآن، لافتاً إلى أنه نصح بأن يكون هناك «مجلس استشاري مكوّن من النساء يشارك في المحادثات بصفة استشارية». وأضاف أن «الهدف هو أن نصل إلى هذه المحادثات بأكبر قدر ممكن من الشمولية في قضية الوفود المشاركة».
ويأتي تقييم دي ميستورا لواقع المحادثات بعد أيام من انتقاده لغياب الدور الأميركي الفاعل على خط التسوية السورية، ليشير إلى الغياب الواضح للتعاون أو النقاش بين الأطراف الدولية المعنية، وخاصة روسيا والولايات المتحدة، منذ انهيار «اتفاق جنيف» وتجميد القنوات الديبلوماسية بين البلدين.


تصرّ موسكو على ضرورة التنسيق مع دمشق حول «المناطق الآمنة»

وقد تشكّل الجولة الحالية للمحادثات فرصة لإعادة فتح تلك القنوات، في ضوء الانفتاح الروسي على تعزيز التعاون مع الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، بما في ذلك نقاش فكرة «المناطق الآمنة» التي قد تبدو محفّزة لفريق الرئيس دونالد ترامب. وضمن هذا الإطار، أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أنه بحث مع نظيره الأميركي ريكس تيلرسون مسألة إنشاء «مناطق آمنة» داخل سوريا، مشدداً على «ضرورة التنسيق مع الحكومة السورية في مثل هذه القضية».
وأعرب في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأرميني إدوارد نالبانديان عن أمل بلاده في إقامة تعاون مع واشنطن ضمن مسار التسوية في سوريا (بما في ذلك محاربة تنظيمي (داعش) و(جبهة النصرة)». وحول محادثات جنيف، لفت إلى أن موسكو أكدت أهمية دعوة الأكراد السوريين، مشيراً إلى إيجابية مشاركة ممثلي «منصات» القاهرة وموسكو والرياض، إلى جانب ممثلين عن الجماعات المسلحة التي شاركت في أستانة.
الموقف الروسي من جنيف أوضحته أيضاً المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، التي حذّرت من أي «محاولات خداع... ممن لا يسعون إلى تحقيق السلام في سوريا»، لكون ذلك سيؤثر سلباً على مسار الحل السياسي. وشددت على أن «ضمان التمثيل الواسع لوفد المعارضة، استناداً إلى قرار مجلس الأمن (2254)، يعدّ شرطاً لازماً لنجاح المحادثات»، مشيرة إلى أن «تجربة محادثات أستانة ستسهم بشكل إيجابي في مستقبل العملية السياسية». ولفتت إلى أن رئيس إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيرغي فيرشنين، سيشارك على رأس وفد روسي، في جنيف.
وفي سياق آخر، أعربت عن قلق بلادها من «خطط لـ(هيئة تحرير الشام) لإعلان دولة إسلامية في ريفي إدلب وحماة»، مؤكدة أنها ستتحول إلى «معقل جديد للإرهاب». ولفتت إلى أن «هيئة تحرير الشام» تهاجم «مع عدد من الفصائل المنضوية تحت لوائها»، في عدد من مناطق حمص ودرعا، مواقع للجيش السوري.
الإشارة الروسية إلى خطر «هيئة تحرير الشام» قد تكون مقدمة لأيّ عمليات واسعة تستهدف مناطق تمركزها في ريفي إدلب وحماة، وصولاً إلى ريف حلب الغربي، عند أول اشتعال للجبهات قد يرافق أو يلي جولة المحادثات.
بدورها، قللت المعارضة من الآمال المعقودة على المحادثات، وأشار رئيس الدائرة الإعلامية في «الائتلاف السوري» المعارض، أحمد رمضان، إلى أن «الدول الضامنة في محادثات أستانة فشلت في تطبيق الإجراءات التمهيدية التي تشمل وقف الأعمال العدائية، وإطلاق سراح المعتقلين ودخول المساعدات»، لافتاً إلى «عدم وجود توافق أميركي روسي حول استئناف العملية السياسية، فضلاً عن عدم وضوح مواقف إدارة الرئيس ترامب بشأن سوريا والشرق الأوسط».
ونقلت وكالة «الأناضول» عن مصادر معارضة ما مفاده أن «وفد المعارضة سيرفع عدد ممثلي منصّتي القاهرة وموسكو من عضو، وفق ما كان متفقاً عليه سابقاً، إلى ثلاثة أعضاء». ولفتت المصادر إلى أن «المعارضة تصرّ على تناول مسألة الحكومة الانتقالية، التي نصّ عليها قرار مجلس الأمن (2254) في المباحثات، وترك مسألة الدستور والانتخابات التي طرحها دي ميستورا لتلك الحكومة».