في حوار تلفزيوني طويل امتد لست ساعات على مدى ثلاثة أيام، لم يتحدث الرجل الذي كان يتأهب لدورة رئاسية خامسة في ما يريد الناس أن يسمعوه، ولم يقترب من الملفات الساخنة والقضايا المقلقة والمصائر المجهولة لمستقبل نظام الحكم.

في روايته للتاريخ، كان الرئيس حسني مبارك مقتضباً، الكلام غير مدقق والشهادة غير موثقة، بما لا يصح أن يصدر عن رجل وضعته الأقدار في قلب الأحداث العاصفة، كقائد عسكري في حرب أكتوبر، وكنائب للرئيس أنور السادات لست سنوات، وكرئيس للجمهورية لنحو ربع قرن امتدت بعد هذا الحوار لنحو ست سنوات أخرى.

سأله محاوره عماد الدين أديب: «كاتب كبير قال إن الرئيس السادات كانت له قناة اتصال خلفية خاصة مع الأمريكان من خلال خط تليفون ربط بينه شخصياً وبين مكان ما في الولايات المتحدة ــ المخابرات الأمريكية ــ هل هذا صحيح؟».
أجاب مبارك: «لم أسمع عن هذا نهائياً».
أديب: «محاولة الإيحاء بهذا الموضوع تعطي انطباعاً وكأن الرئيس المصري ــ رحمه الله ــ كان يتفاوض مع الأمريكان ضد المصلحة الوطنية المصرية؟».

مبارك: «أكيد الذي يكتب هذا هو شخص ضد الرئيس السادات.. ثم إنه لو كان للرئيس السادات قناة سرية مع الأمريكان لتم الكشف عنها، فالأمريكان لا توجد لديهم سرية، بل كانوا قالوا وتحدثوا عن هذه الاتصالات مائة مرة، وخرجت الوثائق التي تتضمن الاتصالات عبر هذه القناة، ففي أمريكا لا يوجد شيء يتم في الخفاء».
سألت الأستاذ هيكل: «هل أنت المقصود ــ فعلاً ــ بما جاء في حوار الساعات الست، وهل تعتقد أن ما قاله الرئيس يمثل تشكيكاً في روايتك المنشورة لقصة القناة السرية؟».
قال: «لست متأكداً أنني المقصود بما جاء في السؤال، أو الجواب، وحتى لو كنت مقصوداً بالاثنين فقد تعودت ألا أجادل في ما يقال عني أو ينسب لي، أما إذا كان الموضوع يهمك في حد ذاته، أي موضوع الاتصالات التي أجراها الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر مع هنري كيسنجر عن طريق وكالة المخابرات المركزية وقناتها السرية مع الرئاسة في ذلك الوقت، فإنك تستطيع الرجوع فيه إلى ما كتبه هنري كيسنجر بنفسه في كتابه الأخير ـ الأزمة: تشريح لأزمتين كبيرتين في السياسة الخارجية، وإذا سمحت فسوف أبعث إليك نسخة منه، وميزة هذا الكتاب بالذات أنه لا يحتوي إلا على نصوص لوثائق مكتوبة، أو تسجيلات لمحادثات هاتفية مع الأطراف، مسجلة أو محاضر سرية، من ملفات البيت الأبيض في عهد ريتشارد نيكسون».


يروي كيسنجر: بعد نشوب العمليات العسكرية في سيناء بساعات، تلقيت اتصالاً مستغرباً من الرئيس السادات... وفهمنا أنه قرر أن يعتمد علينا، وأنه على استعداد لأن يبتعد عن السوفيات، وأن يهجر السلاح


لم يكن يريد أن يدخل في سجال مباشر، طالما أن الوثائق تتحدث وترد.
كان هو الذي اقترح أن يبدأ حديث المستندات بسؤال عمن المقصود وأن تكون الإجابة على النحو الذي ذكر بلا حرف واحد زائد منسوب إليه.
أرسل لي نسخة من كتاب «الأزمة» لكنه عاد بعد ساعات يطلب أن يتولى بنفسه، ولا أحد غيره، ترجمة الصفحات التي تخص موضوع السجال الذي بدأه مبارك حتى يضمن ألا يشوبه أي خطأ في حرف، أو التباس في معنى.
[يروي هنري كيسنجر في صفحة ١١٠ من كتابه الأخير «الأزمة» الصادر عن دار نشر «سيمون وتشوسيتر» عام ٢٠٠٣: في الساعة العاشرة والنصف بتوقيت واشنطن يوم ٧ أكتوبر بعد نشوب العمليات العسكرية في سيناء بساعات تلقيت اتصالاً مستغرباً من الرئيس السادات على شكل رسالة موقعة من مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل، وصلتني (من) خلال قناة المخابرات الأمريكية، الرسالة تخطرنا بموقف مصر السياسي في الحرب، وبصرف النظر عن الإشارات التي وردت فيها عن ضرورة العودة إلى خطوط ١٩٦٧، فقد كان اعتقادنا بتحليل الرسالة أنها مجرد افتتاحية، وقد كان المهم في نظرنا هو مخاطر الاتصال بنا على هذا النحو في هذه اللحظة، ذلك أن معنى هذه المخاطر هو ما لم يقل:
١ ـ إن الاتصال بنا معناه أن الرئيس السادات قرر أن يعتمد علينا.
٢ ـ وأن معناه أنه على استعداد بنواياه وسياساته أن يبتعد عن الاتحاد السوفياتي.
٣ ـ وأنه قرر أن يهجر السلاح بما في ذلك سوريا.
وكان تحليل عبارة الرسالة ــ على ما يضيف هنري كيسنجر ــ «يوحي لنا بوضوح أن السادات قرر عدم مواصلة الحرب بعد المدى الذي وصل إليه، ولم تكن هذه الاستنتاجات مجرد ظن، وإنما بدت نتائج حتمية من تصرفه في هذه اللحظة على هذا النحو.
الفقرة الخطيرة في رسالة السادات: «إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة».
وعلى الفور اتصل كيسنجر بوليام كولبي مدير المخابرات الأميركية في ذلك الوقت، الذي كان قد اطلع على الرسالة الخطيرة، وتساءل مستغرباً: «لماذا لم ينتظروا؟».


ثم يروي كيسنجر في صفحتي ١١٥ و١١٦ من كتاب «الأزمة» أنه نقل لسفير إسرائيل في واشنطن سيمحا دينتز، نص الرسالة التي يتعهد فيها الرئيس السادات بعدم تعميق مدى الاشتباكات، أو توسيع مدى المواجهة، وكانت تلك خدمة جليلة لإسرائيل في أوقات حرب عصيبة].
هذا كل ما كتبه على ورق مترجماً عن آخر كتب كيسنجر في ذلك الوقت.



(١)


لم تكن تلك الأزمة أول ولا أخطر ما تعرض له هيكل من حملات حاولت النيل من دوره واعتباره تحت عنوان هنري كيسنجر.
في بداية القصة عام ١٩٧٢، تداولت وكالات أنباء وصحف عالمية وعربية أن لقاءً متوقعاً قد يحدث بألمانيا بعيداً عن الأنظار بين كيسنجر وهيكل برعاية المستشار فيلي برانت.
زكى تلك المعلومات أن هيكل كان قد التقى في ذلك الوقت المستشار الألماني فعلاً، وكيسنجر كان عنده قبلها بأيام.
سأل برانت: «ماذا تريدون بالضبط؟».
ثم سأل: «هل سوف تلتقي بهنري كيسنجر؟»، مشيراً إلى أن طريقة تفكيرهما متقاربة.
السؤال الأول أجاب عنه هيكل بشرح مسهب للوضع السياسي في الشرق الأوسط.
والسؤال الثاني أجاب عنه بالنفي القاطع، فـ«هذا ليس وقته».
كان ذلك قبل حرب أكتوبر بشهور.
ضايقت السادات الطريقة المستقلة التي تصرف بها، فقد اعتذر عن لقاء كيسنجر دون أن يخطره بالدعوة، أو يتفاهم معه قبل اتخاذ أي موقف.
لقد كان شغوفاً بفتح قناة اتصال مع الولايات المتحدة، وبالخصوص مع ساحرها الجديد الذي حصل على نصف جائزة «نوبل» للسلام، وصيته يسبقه بأدواره، في إنهاء الحرب في فيتنام وصناعة الوفاق الدولي والتقارب مع الصين.
بأثر ضيقه من استقلالية هيكل منح السادات في الأيام الأخيرة من عام ١٩٧٢ الضوء الأخضر لرئيس تحرير «الأخبار» موسى صبري، لكتابة مجموعة مقالات أرادت أن تقول: «القلم الوحيد»، كما أطلق عليه، يوشك على الأفول، وأن العهد الجديد له رجال جدد، ليس بينهم ذلك القلم الذي «يضفي على نفسه أهمية ليست له».

وثيقة المواجهة بين هيكل والسادات | للصورة المكبرة انقر هنا


لم يشر إليه بالاسم، غير أن كل حرف قال إنه هو، فضلاً عن مقتطفات منقولة بحذافيرها من مقالاته.
بدا ذلك إعلاناً للرأي العام بختم السلطة أن خروج هيكل من «الأهرام» أصبح وشيكاً.
كانت الاتهامات مرسلة، ويسهل تفنيدها، لكنه لم يقترب منها، ولا حاول أن يذكر بأدواره مع السادات، ولا أن يهبط بمكانته إلى ذلك المستوى.
غير أن عبارة واحدة دعته للرد في الجمعة التالية، على رئيس الجمهورية لا رئيس تحرير «الأخبار».
قالت العبارة التي استوقفته إنه: «فوّت خبراً على جريدة يمينية في بيروت من أبواق الدعاية له يقول إنه طائر إلى ميونيخ لعقد اجتماع سري مع كيسنجر مستشار الأمن القومي الأميركي وتنقل وكالات الأنباء الخبر الكبير ويصدر كيسنجر تكذيباً رسمياً له».
لم يضع نفسه، ولا مكانته، على ذات قدر صبري، تجاهله تماماً، ولم يشر إليه في رده العاصف «أنا وكيسنجر.. مجموعة أوراق»، الذي نشر في يوم ٢٩ كانون الأول/ديسمبر ١٩٧٢.
أسند كل حرف كتبه إلى وثائق ومراسلات وشهود.
«.. لم أنسب للغائبين ما لم يجرِ على لسانهم، وإنما رويت عن أحياء أقوياء ونسبت إليهم ــ بخط أيديهم وبألسنتهم ــ وفي استطاعة أي واحد منهم أن يناقض ما رويت».
لم يكن يدري وقتها أن ذلك الاتهام بالاستناد إلى راحلين سوف يطارده لسنوات وعقود، دون أن يقدم أحد دليلاً يدحض روايته. ولم يكن هو وكيسنجر قد التقيا بعد. كان الرد داعياً إلى تدهور إضافي في علاقته مع السادات.
بالمراسلات والشهود روى أن دونالد كاندال، رئيس مجلس إدارة شركة «بيبسي كولا»، والصديق الشخصي للرئيس الأميركي نيكسون، طلب أن يقابله حتى يسمع منه رؤيته لأزمة الشرق الأوسط ووسط صديقهما المشترك المحامي الشهير زكي هاشم لإتمام مثل هذه المقابلة.
كان تقدير كاندال أن هناك أوجه تشابه بين هيكل وكيسنجر يفضل معه أن يلتقي الرجلان، ونقل تقديره إلى الرئيس الأميركي، الذي التقى هيكل من قبل، فوافقه على ما توصل إليه.
وكان كيسنجر نفسه شغوفاً بلقاء هيكل بتأثير ما قرأ له وما سمع من أنهما لهما نفس طريقة التفكير.
توالت الرسائل الأميركية تلح على الفكرة، وقد تولى نقلها السفير أشرف غربال القائم بأعمال المصالح المصرية في واشنطن، والدكتور محمد حسن الزيات، رئيس الوفد المصري في الأمم المتحدة، موجهة ــ هذه المرة ــ إلى الدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء، ومنه إلى الرئيس السادات.
في حديث الأوراق، واجه السادات دون مواربة، وأعلن خلافه معه على غير المعتاد والمألوف في طبيعة العلاقة بين السلطة والقلم في بلد مثل مصر.
في نفس المقال كتب «ليست لدي أحقاد قديمة أو جديدة أتلوى بتقلصاتها.. وليست هناك سلطة أضع نفسي تحت مظلتها».
الإشارة إلى الأحقاد القديمة عناها تماماً، ولعله أدرك وقتها أنه بقرب الخروج من «الأهرام»، وأن تصفية الحسابات معه قد بدأت.
وثيقة المواجهة بين هيكل والسادات | للصورة المكبرة انقر هنا


في تلك اللحظة أراد أن يواجه ويخرج مرفوع الرأس من منصبه.
السادات أغضبه ما كتبه هيكل، ورآه تحدياً مباشراً له، أبلغه أن رقابة سوف تفرض عليه، لكنه مانع بحسم وسافر إلى شرق آسيا مع وفد من كبار الصحافيين والباحثين في «الأهرام».
ابتعد لفترة طويلة نسبياً تخفيضاً للاحتقان الذي وصل إلى ذروته مع الرئيس، لكن ذلك الاحتقان طارده في الشرق البعيد حيث كانت زيارته للصين هي الأهم.
أثناء رحلته الآسيوية اتصل الرئيس السادات بمدير مكتبه في ذلك الوقت الدكتور عبدالملك عودة متسائلاً عما إذا كان هيكل قد عين أحمد عبدالله رزة زعيم الحركة الطلابية عام ١٩٧٢ في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.
لم يكن الخبر صحيحاً، ولا منع شاب صغير من العمل أخلاقياً ولكنها تصفية حسابات.
في تلك الأجواء من التربص كان خروجه من «الأهرام» مسألة وقت، وقد استبق حديث الخروج دخول كيسنجر على خط التسوية، فلم تكن حرب أكتوبر قد اندلعت بعد.
في تلك الأجواء تواجه السادات وهيكل ــ وفق وثيقة خطية ــ والصداقة القديمة سمحت أن تأخذ المواجهة صراحتها الكاملة.
الوثيقة ليست بخط هيكل، فخطه دقيق وتصعب قراءته، بينما الخط الذي كتبت به واضح ومقروء، رغم أن مادته أمليت من رئيس تحرير «الأهرام» على واحد من ألمع من أسسوا مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وكان محل ثقته، فالموضوع خطير وصاحب الخط مؤتمن وولاؤه لجمال عبدالناصر مؤكد.
مساء الجمعة ٤ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٢، دخل هيكل مكتبه واستدعى على الفور من ائتمنه على سره، وبدأ يتلو عليه محضراً كاملاً بما جرى في لقاء عاصف بمكتب رئيس الجمهورية على نيل الجيزة.
[أدخل هيكل إلى حجرة مكتب الرئيس في منزله بالجيزة.
سلم على أنور السادات وقال له وهو يناوله النسخة الإنجليزية من كتاب عبدالناصر والعالم: لم أجد هدية أحضرها لك من لندن سوى هذه.
وتناولها أنور السادات ووضعها على مكتبه دون أن ينظر في الكتاب وقال: متشكر.
ثم قال فجأة:
ـ يا محمد.. إنت بتتهمني إني ما عنديش عقل.. يا محمد؟ إيه هو؟ إحنا على طريقين مختلفين جداً.
وأخذ هيكل لأول مرة وعلق قائلاً: لست أفهم سبب فتح مثل هذا الموضوع مباشرة هكذا.. أنا لم أقل هذا على أية حال.
قال أنور السادات: إنت بتعرض بي ليه يا محمد؟
قال هيكل: أود أن أحدد لك بدقة موقفي.. أنا أختلف معك سياسياً ولكنني لا أعرض بك.
قال السادات: أنا لا أسمح لك.. أنا المسؤول.. وأنا الذي انتخبني الشعب.

قال هيكل: وأنا صحفي مسؤول وحر.
قال السادات: الأهرام ده بتاع مين؟
رد هيكل: الأهرام ده أنا اللي عملته.. وهو مملوك للاتحاد الاشتراكي حسب وثائقه الأساسية، وعلى أي حال دعني أرفع عنك الحرج أنا مستعد في أية لحظة أمشي.
قال السادات: ده قرار تاخده بمحض إرادتك.
أجاب هيكل: إذا اتفقنا.
قال السادات: كيف تكلمني بهذه الطريقة؟
أجاب هيكل: أود أن أقول لك شيئاً لأكون واضحاً.. أنا أضع حدوداً واضحة بين رئيس الدولة وبين رئيس التحرير، ولكن هناك جانباً في العلاقة هو ذلك القدر الموجود من الصداقة بيننا إلا إذا كنت قد ألغيته خلال الأسبوع الذي كنت أنا فيه في لندن.
قال السادات: أنا الصداقة أعتز بها، وأنت تعلم مني هذا، ولكن كيف تشتمني؟
أجاب هيكل: أنا لم أشتمك، وعلى أية حال دعني أعفيك من الحرج أنا مستعد في أية لحظة أمشي.
علق السادات: هذا قرارك تأخذه بمحض إرادتك.
قال هيكل: إذا اتفقنا وانتهى الأمر.
تحدث هيكل والسادات بعد ذلك مطولاً عن زيارة هيكل للندن.
ثم قال السادات بعد أكثر من ساعة.. لنعد إلى موضوعنا: حين تقول إن السياسة الآن تعمل بغير عقل أليس معناه أنني بلا عقل؟.. ثم إنك تتهمني أنني لا أعمل لحل أزمة الشرق الأوسط؟
أجاب هيكل: هذا غير صحيح، لقد كنت انتقد أشياء كثيرة أيام جمال عبدالناصر ولكنه لم يعتبر ذلك موجهاً له شخصياً... فليس كل ما ينتقد في عهد عبدالناصر كان يأخذه على أنه كلام عليه بل إنه كان ضد كثير جداً مما يحدث وكان يحاول تغييره.
ولكن مع عبدالناصر كانت علاقاتنا واضحة، وكنت أقول له رأيي وكنت أعرف رأيه، وكان عبدالناصر يناقشني ويقنعني فكانت نقاط الاختلاف في الرأي بيننا واضحة لي وكانت دوافعها معروفة لي ومفهومة.
ثم إن هناك شيئاً أريد أن أقوله لك: إنني لا أريد شيئاً. لست أطمع في رئاسة أو منصب، وأنك في غيابي اتصلت بأحد مساعدي في الأهرام وكلمته في التليفون بنفسك لتعرف إذا كنت قد عينت أحمد عبدالله رزة بستين جنيهاً في الأهرام أم لا؟ لقد سبق لسيد زكي من المباحث أن اتصل بهذا المساعد لنفس السؤال، وحين جاء المساعد ليسألني فقلت له ألست تعرف أننا لم نعينه، قال نعم، فقلت له إذن قل لسيد زكي لقد زاد الدس ضدي جداً في المرحلة الأخيرة وقد ضقت ذرعاً به. كان الدس موجوداً أيام عبدالناصر ولكنه كان يعرف المواقف الأساسية للبشر ويتعامل على أساسها.
قال السادات: إنت يعني بتتكلم وكأنك لا يهمك شيئا لماذا تدفعني؟
أجاب هيكل: لأنني لا أريد شيئاً، ولأنني أستطيع أن أعيش فيما أظن أنني أعرف كيف أقرأ، وفضلاً عن ذلك أعرف كيف أكتب. الفريق صادق كان رجلاً في دبابة فلما أقلته لم يعد يعمل، والمسؤول في الاتحاد الاشتراكي لو أقلته أيضاً فسيجلس بدون عمل أما أنا فأعرف أن أقرأ وأعرف أن أكتب ويوم أخرج سأستمر صحفياً…
سأل السادات: وعملك في الأهرام ألست مهتما به؟
وأجاب هيكل: لن تستطيع أن تقدر أبداً إلى أي مدى هو عزيز عليّ وعزيزة عليّ تلك الروابط الإنسانية التي تربطني بمن يعملون معي، ولكن الأهرام منذ فترة يكاد أن يختنق لا رأى جديداً ولا فكرة جديدة، ولا شيء يساوي لأننا لا نستطيع أن ننشر].
جرت تلك المواجهة قبل ما كتبه موسى صبري بنحو شهرين.
لم يكن في حاجة إلى أجهزة إنذار لكي يعرف أن العواصف توشك أن تهب.

(٢)


في لقاء عائلي ضمه إلى الرئيس السادات، قبل الخروج من «الأهرام» مباشرة، أخذ الأخير يتحدث عن مخاطبات جديدة مع الإدارة الأميركية، وأطلق للمرة الأولى عبارته الشهيرة: «٩٩٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا»، وأنه سوف يمضي في «الحلول الانفرادية» إلى آخر مداها.

هيكل للرئيس السادات: كنت أنتقد أشياء كثيرة أيام جمال عبد الناصر، ولكنه لم يعتبر ذلك موجهاً إليه شخصياً... كانت نقاط الاختلاف في الرأي بيننا واضحة لي، وكانت دوافعها معروفة ومفهومة

احتدم سجال وارتفعت أصوات، وفي طريق عودته إلى بيته الذي يجاور بيت السادات، قال للسيدة زوجته: «الآن.. جاء وقت مغادرة الأهرام، فإما أن أخسر نفسي بالدفاع عما لا أعتقد فيه، وإما أن أكسبها بمغادرة الأهرام».
ثم أردف للتخفيف من وطأة المفاجأة: «.. لكن لا تقلقي.. الرهان الأخلاقي يكسب في النهاية.. وسوف ترين».
عندما أجرى حواراً مطولاً مع آية الله الخميني طلب «السادات» من رئيس مجلس الشعب سيد مرعي أن يسأله: «بأي صفة أجرى الحوار؟».
بدا مرعي محرجاً سياسياً وإنسانياً، فهو من ناحية أحد أركان النظام ورجاله الأقوياء وصهر الرئيس، لكنه من ناحية أخرى استشعر أن خطراً داهماً يقترب من صديق حميم.
في لحظة خيار صعب قرر أن يخرق قواعد الدولة لاعتبارات الصداقة.
أخذه من يده، وهما على شاطئ المنتزه بملابس الصيف، داخلاً معه إلى مياه المتوسط بقدر ما تأكد أن أحداً لا يسمع، وروى له بالتفاصيل أسباب قلقه عليه متوقعاً أياماً صعبة تنتظره.. «خد بالك من نفسك.. لن يتركك يا محمد».
وكانت إجابة هيكل عن سؤال السادات: «قل له بصفتي صحفي».
عندما نقلت تلك الإجابة للرئيس قال مستغرباً: «ألم أنهِ دوره الصحفي بإخراجه من الأهرام!».
كان الاستغراب في غير موضعه، فالكاتب الصحافي لا يحال إلى التقاعد، قد يكون هناك رئيس جمهورية سابق، لكن لا يوجد كاتب صحافي سابق.
عندما غادر «الأهرام» اعتبرت صحيفة «التايمز» البريطانية في افتتاحيتها الرئيسية أن خروج هيكل من «الأهرام» خبر لا يسبقه في الأهمية سوى إقالة الرئيس السادات نفسه.
في أول أيام ما بعد الخروج جلس في مكتبه في بيت الجيزة يقرأ ويكتب ويتابع.
شاهد موكباً لرئيس أفريقي في طريقه لزيارة السادات في بيته، أخذ يحلل الموقف ويحسب الوقت الذي استغرقته الزيارة.
كان عقله يعمل بكامل حيويته المهنية، بينما السادات يتصور أنه قد تعطل عن العمل بقرار جمهوري.