أنهى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في بغداد، أول من أمس، فترة طويلة من الانقطاع السعودي الدبلوماسي عن العراق، تمتد حتى عام 1990. وكانت الزيارة مفاجئة لناحية أنه لم يُعلن عنها مسبقاً، وتأتي بعد نحو ستة أشهر على مغادرة السفير السعودي ثامر السبهان للعراق بطلب حكومي من بغداد، إثر تدخلاته السياسية المتكررة في الشأن العراقي.

والتقى الجبير لدى وصوله نظيره العراقي إبراهيم الجعفري في وزارة الخارجية، قبل أن يلتقي كلاً من رئيس الوزراء حيدر العبادي، ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري.

وأعلن مكتب العبادي، في بيان، أن اللقاء «بحث في تعزيز العلاقات الثنائية». وفيما أكّد أن الطرفين شدّدا على «أهمية بذل المزيد من الجهود من أجل التعاون في محاربة الإرهاب وأفكاره التي تؤثر على عموم المنطقة والعالم»، لفت البيان إلى أنّ الوزير السعودي «هنّأ بالانتصارات المتحققة في العراق على العصابات الإرهابية»، مبدياً «دعم السعودية للعراق في محاربة الإرهاب، واستعداد (بلاده) لدعم اعادة الاستقرار في المناطق المحررة». وفيما لم يتطرق البيان إلى مسألة السفير السعودي في بغداد، فإنّ قناة «العربية» السعودية أفادت بأن الجبير أبلغ العبادي بتسمية سفير سعودي جديد لدى العراق خلفاً للسبهان.


يسعى العبادي
قدر الإمكان إلى النأي بالعراق عن
اصطفافات المحاور


ولعلّ الزيارة التي أثارت ضجّةً في الوسطين الخليجي والعراقي، حملت أكثر من إشارة لجهة التوقيت والهدف المعلن، وفق مصادر حكومية عراقية، وضعت الزيارة في سياق «محاولة السعودية فتح الباب على العراق، ومحاولة ترتيب العلاقة بعد مشكلة السبهان». ووصف مصدر حكومي الزيارة، في حديث إلى «الأخبار»، بأنها «إيجابية»، مضيفاً أن «الوفد السعودي أبدى رغبة كبيرة في التعاون وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وفي مجال محاربة الإرهاب». وأشار إلى أن الطرفين أبديا «حرصهما على تعزيز العلاقة بشكل أكبر، خصوصاً في ما يتعلّق بالمنافذ البحرية، والرحلات الجوية، والتعاون بين البلدين». لكن مصادر سياسية عراقية رفيعة المستوى، قالت في حديثها إنّ «استعادة الموصل باتت مسألة وقت، وهو الأمر الذي يدركه الطرف السعودي جيّداً». وأوضحت المصادر أنّ السعودية «تريد في هذا الظرف العودة إلى العراق من بوابة إنعاش الاقتصاد وإعادة الإعمار، وحماية المكوّن السنّي وإعادة ترتيب بيته الداخلي لمرحلة ما بعد داعش».
وفي السياق نفسه، نقلت وكالة «الأناضول» التركية عن الكاتب والمحلل العراقي إياد الدليمي، أنّ الزيارة «تندرج في إطار المسعى الخليجي الأميركي المشترك لإبعاد العراق عن إيران وبالعكس»، مضيفاً أنّ «دول الخليج العربي تسعى لاستغلال فرصة رئاسة دونالد ترامب، (بعدما) عبّر في أكثر من مناسبة عن امتعاضه الشديد من التوغل الإيراني في العراق، والذي وصفه في أحد خطاباته بالسيطرة على العراق من قبل إيران». وقال إن «الدول الخليجية تدرك أهمية العراق بالنسبة إليها، والعراق يدرك أن هناك رغبة خليجية أميركية مشتركة للابتعاد عن نفوذ إيران».
واتفق الكاتب السعودي سعود الريس الذي يرأس تحرير الطبعة السعودية من صحيفة «الحياة» مع الدليمي، معتبراً أنّ زيارة الجبير «اختراق للسياسة الإيرانية في العراق». وقال لـ«الأناضول» إن الزيارة «بمثابة مدّ يد للعراق لاستعادته إلى حاضنته العربية».
من جهة أخرى، تشير المصادر العراقية إلى أنّ البوابة «المثلى» لعودة السعودية ستكون رئاسة الوزراء، خصوصاً أن رئيس الوزراء حيدر العبادي «يسعى قدر الإمكان إلى النأي بالعراق عن اصطفافات المحاور».
وتنقل مصادر عراقية أنّ الجبير كان حريصاً على توجيه دعوة إلى العبادي لزيارة المملكة في أقرب فرصة، مستدركة بالقول إنه «من غير المعلوم إن كان العبادي سيزور الرياض، خاصة أنه قد يلتقي بقادة المملكة على هامش أعمال القمّة العربية في الأردن، في آذار المقبل».
وتضيف المصادر أن «العبادي رفض سابقاً أكثر من دعوةٍ وجّهت إليه من الرياض منذ تسلّمه رئاسة الوزراء عام 2014، وكان صريحاً أمام مقرّبيه لمثل طرح كهذا، خصوصاً أن الإدارات السعودية المتعاقبة لم ترسل أيّاً من وزراء خارجيتها إلى العراق في حقبة ما بعد 2003». وتنقل المصادر أن «العبادي لم يرد أن يقوم وزراء حكومته بزيارات إلى السعودية قبل أن تقوم الرياض بإرسال أحد وزرائها، وقد كان منزعجاً جدّاً من زيارة الجعفري إلى جدّة، للمشاركة في مؤتمر لمكافحة الإرهاب في أيلول 2014، وقد عبّر العبادي أمام مقرّبيه عن انزعاجه من تصرّف الجعفري الذي لم يكن منسّقاً مع رأس الإدارة التنفيذية للبلاد».
وبالعودة إلى الجبير، فقد أكّد أن «المملكة تقف على مسافة واحدة من جميع العراقيين»، مشيداً بـ«الروابط الأسرية والقبلية والجغرافية والتاريخية، والمصالح المشتركة في مواجهة التطرف والإرهاب». وكان لافتاً إشادة القيادي في الحزب «الديموقراطي الكردستاني»، هوشيار زيباري، بزيارة الجبير، باعتبارها «خطوة ممتازة لتطبيع العلاقات بين البلدين، وتأتي بدعم ومباركة من الولايات المتحدة». ويتقاطع كلام زيباري مع كلام مصدر عراقي متابع أن «الولايات المتحدة وجّهت أكثر من مرّة رسالة إلى العبادي بضرورة تعزيز العلاقة مع الأطراف العربية المحيطة».
وأمام هذا التدرّج في التخطيط السعودي، والعمل بجهد على العودة إلى العراق بأقصى سرعةٍ ممكنة، تجمع المصادر في تساؤلاتها إن «كان الجبير سينجح في هذا الملف المستجد»، مشيرةً إلى «نية الرياض بنقل المواجهة مع طهران إلى العراق، لمرحلة ما بعد داعش، لتكون سياسية ــ اقتصادية»؛ فالجبير زار العبادي مقدّماً نفسه «حملاً وديعاً يهدف إلى الإعمار والاقتصاد... تمهيداً لجولة مواجهة جديدة مع إيران في بلد يراه الأميركي حصّته قبل أن يكون تحت النفوذ الإيراني... والسعودي لا يمضي بمشروعٍ من دون رضىً أميركي».
(الأخبار)