بغداد | برز قانون العفو العام المثير للجدل في العراق إلى الواجهة مجدداً، يوم أمس، بعد تصويت الحكومة عليه وإحالته على مجلس النواب، ليزيد بذلك حدة الانقسام السياسي والطائفي بشأن القانون العالق بين الحكومة والبرلمان منذ سنوات، بين من يرى أنه سيوفر فرصة وفسحة قانونية «على الأقل» لخروج الإرهابيين والملطخة أيديهم بالدماء، ومن يدافع عنه ويعتبره بمثابة الخلاص لآلاف الأبرياء الذين قضوا سنوات طويلة في السجون بسبب دعوة أو وشاية كاذبة.


وصوّت مجلس الوزراء خلال جلسته الاعتيادية الأسبوعية التي عقدت برئاسة رئيس الحكومة حيدر العبادي على قانون العفو بعد جدل حول القانون طيلة عمر الحكومة الحالية، وقرر المجلس أيضاً إحالة القانون على مجلس النواب ليأخذ طريقه في القراءة والتشريع، حيث من المتوقع أن تكون المهمة صعبة أو ربما لن يولد.
وقال وزير العدل حيدر الزاملي، في بيان أصدره على هامش الجلسة، إن قانون العفو العام بصيغته الحالية يستثني المشمولين بقانون مكافحة الإرهاب ومن يدان بالمساس بأمن الدولة واختلاس أموال الدولة وجرائم حيازة الأسلحة الكاتمة واستخدامها، ومواد أخرى لا تسمح بنفاذ الإرهابيين والمجرمين من فقرات القانون.
وأضاف الزاملي أن المجلس صوّت أيضاً على مشروع قانون تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 الذي سيعجل في تنفيذ أحكام الإعدام بمن صدرت في حقهم قرارات محكمة التمييز بشكل نهائي، مبيناً أن مشروع القانون سيخول وزارة العدل تنفيذ أحكام الإعدام في حال عدم مصادقة رئاسة الجمهورية عليها.
ويعدّ قانون العفو العام الذي أقرّ أمس هو الثالث في عمر النظام السياسي العراقي الجديد بعد عام 2003، حيث أصدر نائب رئيس الجمهورية الحالي إياد علاوي أول عفو عندما كان يدير السلطة الانتقالية في العراق، في حين أصدرت حكومة نوري المالكي في دورتها الأولى عفواً عاماً وفق قانون رقم 19 لسنة 2008.
وما كاد التلفزيون العراقي الرسمي يبثّ نبأ التصويت على القانون حتى سارعت الكتل السياسية وقياديوها إلى مدح القانون والثناء على الحكومة، وأخرى تذم وتنتقد، معتبرةً إياه «خدمة مجانية لداعش» مع استعار الحرب ضد التنظيم الإرهابي في أكثر من مدينة عراقية، فيما سارع بعض النواب «الشيعة» إلى بث تطمينات بأن القانون لن يشمل الإرهابيين والمحكومين بالإعدام، ما يشير إلى وجود صفقة أو تفاهمات سياسية حول القانون وأخرى تتعلق بزيارة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري لواشنطن، بحسب ما أبلغ مصدر مطّلع «الأخبار».


القانون يستثني الجرائم المرتكبة بعد احتلال «داعش» للموصل

يذكر أن الجبوري كان قد دعا سابقاً الحكومة إلى الإسراع في إنجاز قانون العفو العام كأحد بنود الاتفاق السياسي الذي تم على أساسه تشكيل الحكومة الحالية.
النائب عن «التحالف الوطني» والعضو البارز في «ائتلاف دولة القانون»، أشد الكتل معارضة للقانون، عباس البياتي، قال إنه مع «إعطاء فرصة لمن أخطأ وتاب وندم، ولكن ليس على حساب الأمن والاستقرار وحماية المواطنين». البياتي أكد في بيان صحافي له أن «قانون العفو العام لا يشمل جرائم الإرهاب والمدانين المحكومين بالإعدام أو بغيره من الأحكام الباتة».
ويشير البياتي إلى أن إصدار قانون العفو العام هو جزء من البرنامج الحكومي الذي صوّت عليه البرلمان العراقي «كما توافقت عليه جميع الكتل بلا استثناء عند مفاوضات تشكيل الحكومة»، لكنه يستدرك بالقول: «إنه سيتم التدقيق في كل كلمة في القانون وسد أي ثغرة فيه للحيلولة دون إطلاق سراح المجرمين الإرهابيين ومنحهم فرصة حياة بعدما سلبوا حياة الآخرين وأرواحهم».
من جانبها، أكدت النائبة عن «تحالف القوى السنية»، جميلة محمد، وجود «توافق واضح» بشأن القانون بين الكتل السياسية التي كانت تنقسم حوله إبان فترة حكومة المالكي والدورة السابقة لمجلس النواب، كاشفةً عن توجه للبرلمان لعقد جلسة طارئة لإقرار القانون لتمتع المجلس الحالي بعطلة تشريعية، من المتوقع أن تنتهي بعد شهر رمضان.
ولم تستبعد محمد في حديثها إلى «الأخبار» وجود صفقات وتفاهمات بين الكتل السياسية المتنازعة والمختلفة حول القانون، مبيّنة أن «المشكلة في أي قانون وليس العفو العام فحسب تكمن في رؤساء الكتل وليس النواب الذي يحتكرون إرادة أعضاء كتلهم».
خبراء ومختصون قانونيون أشادوا بحذر بالقانون والتصويت عليه من قبل الحكومة، مؤكدين حاجة العراق إلى مثل تلك القوانين في ظروفها الحالية. ويؤكد الخبير القانوني طارق حرب أن القانون يستثني الجرائم المرتكبة بعد تاريخ 10 حزيران 2014، تاريخ احتلال «داعش» لمدينة الموصل وتقدمه نحو المدن الشمالية وتعزيز وجوده في مناطق غرب البلاد، وهذا يحظى باتفاق جميع الكتل السياسية عليه.
ويضيف حرب في حديثه إلى «الأخبار» أن هناك حالات كثيرة تستحق العفو، موضحاً أن القانون لا يشمل الجرائم المخلة بالشرف والأخلاق، لكنه يشمل في الوقت نفسه الجرائم العسكرية، وهذا موجود في كل قوانين العفو في العالم، فيما تبقى بقية الجرائم من قبيل النزاهة محطّ أخذ ورد.