القاهرة | في عام ٢٠١١، تزوّج المهندس المصري مجدي فتاة أحلامه، لكن بعد ذلك بعام واحد، بدأت الخلافات تنشب بينهما، لتترك الزوجة المنزل. من ثلاث سنوات إلى اليوم، طلب مجدي الطلاق من الكنيسة أكثر من مرة، لكنها لم تسمح له بذلك، كذلك لم تسع إلى المصالحة بينه وبين زوجته.

«كل ما أريده هو حقي في طلاق زوجتي... عمري الآن ٣٠ عاماً، لن أعيش ما بقي منه من دون زواج بسبب علاقة لم تنجح»، يقول مجدي، الذي دفعته مشكلته إلى الانضمام إلى مجموعات الضغط التي تعمل على العودة إلى لائحة ٣٨ التي ألغاها البابا شنودة الثالث، في ٢٠٠٨.

آنذاك، أصدر البابا لائحة جديدة لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين، لا تبيح الطلاق إلا بسبب الزنا، ولا تسمح بالزواج مرة أخرى إلا للطرف الواقع عليه الضرر الأكبر ولم يرتكب خطأً، فألغي بالتالي العمل بلائحة ٣٨ القديمة، التي كانت تبيح الطلاق إذا عُلِّل بواحد من تسعة أسباب، من بينها الهجر واستحالة الحياة بين الزوجين.
خلقت اللائحة الجديدة أزمة كبيرة بالنسبة إلى آلاف الأقباط الذين يريدون الطلاق، وأصبح الأمر أمامهم شبه مستحيل، ذلك أن على الطرف الآخر أن يثبت للكنيسة، وبعدها للمحكمة، واقعة الزنا، حتى يحصل على الطلاق، ثم على تصريح آخر بالزواج.
في كانون الأول الماضي، تقدمت وزارة العدالة الانتقالية بمقترح قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين، يشمل حلولاً عديدة لمشكلات الطلاق، من بينها أن تحكم المحكمة وفقاً للشريعة المسيحية في ما يخص الأحوال الشخصية للمسيحيين. لكن مقترح القانون الجديد يبيح الزواج المدني للمسيحيين، وهو ما رفضته الكنيسة قطعاً، فيما أقدم البابا تواضروس الثاني على عدة خطوات لتسهيل حصول المسيحيين على الطلاق، من بينها تقسيم المجلس الإكليركي ــ وهو المجلس المسؤول عن الزواج والطلاق داخل الكنيسة ــ إلى ستة مجالس على مستوى العالم، بعدما كان مجلس واحد يختص بالأمور الشخصية للمسيحيين التابعين للكنيسة في كل العالم.
الخطوات التي اتخذها تواضروس لم تكن مرضية، على نحو كافٍ للمجموعات الناشطة التي تشكلت للمطالبة بالسماح بالزواج المدني، من بينها حركة «أقباط 38» ورابطة «متضرري قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين» التي هتفت ضد البابا خلال عظته الأسبوع الماضي.
مؤسس «أقباط 38» نادر الصيرفي، قال لـ«الأخبار»، إن «أزمة الطلاق داخل الكنيسة تجدّدت هذا العام مع اقتراب موعد عقد المجلس الإكليركي، مطلع الشهر المقبل، فالمشكلة لا تحل فيما يزداد الضغط على المتضررين بطريقة تدفعهم إلى التفكير في حلول تخالف العقيدة والقانون، مثل الزواج العرفي أو الزنا».


نحو 300 ألف أسرة مسيحية تعاني بسبب هذه المعضلة

أضاف الصيرفي أن «البابا تواضروس عقب توليه الكرسي الباباوي اعترف بحق الأقباط في الطلاق، إلا أنه لم يجد أي حلول لتطبيق هذا الحق، فالتقسيم والمجلس الإكليركي الجديد سيحل المشكلة وفق العقلية نفسها التي صاغت اللائحة القديمة». انطلاقاً من هذه الفكرة، أشار الرجل إلى أن «لائحة العدالة الانتقالية تحتوي على حلول جيدة، من بينها السماح بالزواج المدني»، لكنّه عقّب بالقول: «لا بد من أن تتضمن نصاً يسمح بتطبيقها وفق أثر رجعي، كذلك يجب أن تُقر عبر القنوات التشريعية للدولة، لا في الكنيسة».
وتعمل الكنيسة الآن على إعداد لائحة جديدة للأحوال الشخصية ترفض فيها الزواج المدني، ولكنها تبيح الطلاق لأسباب أخرى لم تُعلن كلها، من بينها مثلاً إعلان أحد الزوجين إلحاده، الأمر الذي ينتقده مؤسس حركة «منكوبي الأحوال الشخصية للمسيحيين» هاني عزت، قائلاً: «كيف يُثبَت أنه يوجد طرف ملحد؟ إذا اعترف هذا الشخص، فإن ذلك يضعه تحت طائلة القانون» الذي يتهم الشخص بازدراء الأديان، ما يعرضه للمحاكمة.
أضاف عزت، الذي عقد مؤتمراً صحافياً بمشاركة مجموعة من متضرري قانون الأحوال الشخصية ممن يحاولون الحصول على الطلاق، أن «تقسيم المجلس الإكليركي على 6 مجالس لن يحل المشكلة، لأنهم سيعملون وفق العقلية عينها واللوائح نفسها».
وتقول مصادر إن ثمة نحو 300 ألف أسرة مسيحية تعاني بسبب هذه المعضلة، وحتى من اتهم نفسه أو شريكه بالزنا لم يضمن الحصول على تصريح من الكنيسة للزواج مرة أخرى بناءً على ارتكاب «معصية الزنا».
وبالعودة إلى حديث أستاذ مقارنة الأديان القس أكرام لمعي، فإنه يؤرخ لبداية أزمة سيطرة الكنيسة على أمور الزواج والطلاق، خلال حقبة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي منح صلاحيات واسعة للمؤسسات الدينية (الكنيسة والأزهر)، وهو ما جعلها «تفسر الكتاب المقدس، وتقول إنه لا طلاق إلا بسبب الزنا، رغم أن المسيح لم يأتِ بتشريع ولم يقم محاكم تحاكم الناس، بل تحدث عن رسالة روحية في علاقة الفرد بربه، ورفض أن يكون له ولتلامذته قوانين تتحكم في الأفراد».
بناءً على ذلك، يضيف لمعي، أن «المسيحية عاشت 300 سنة تخضع لقوانين البلاد التي كانت فيها... الكنيسة تعرف أن التشريع أمر لا يخصّها وهو خارج المسيحية، لكنه يعطيها سلطاناً وسلطة».