القاهرة | «عِيش»، الهتاف الذي تصدّر ثورة «25 يناير»، كجزء من ثلاثية ضمّت إليه الحرية والعدالة الاجتماعية، تجدد يوم أمس في شوارع المحروسة، لكن هذه المرة بعد قرار من وزير التموين علي مصيلحي. الأخير عاد إلى الوزارة التي تولاها إبّان حكم حسني مبارك، حاملاً تعديلاً على إجراء كان يمنح المواطنين رغيف الخبز المدعّم بخمسة قروش، في وقتٍ ازداد فيه الحديث عن توجه الدولة لاستبعاد ملايين المواطنين الذين ترى أنهم «غير مستحقين للحصول على الرغيف المدعم».


وأقل رغيف آخر في مصر يزيد سعره خمسة أضعاف على الأقل عن سعر الرغيف المدعم الذي لم يتم تغييره منذ أواخر السبعينيات، لكن تضاعفت تكلفة إنتاجه على الدولة بعد تحرير سعر الصرف وانخفاض قيمة الجنيه بنسبة تقترب من 100%.
الأزمة هذه المرة تبدو أكبر من قرار تنظيمي لوزير في ملف مختص به، وعلى الأرجح أنه لم يكن يتوقع هذا الغضب الشعبي الذي وصل إلى حد قطع الطرق والتظاهر للاحتجاج. فالفئات التي استبعدها هي في الواقع الأكثر احتياجاً إلى الخبز المدعم، وليس لديها قدرة على شرائه. والاحتجاجات التي قال الوزير إنها لن تنجح في إجباره على التراجع عن قراره، هي الأعنف في مواجهة قرار اقتصادي منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، رغم اتخاذ عشرات القرارات الاقتصادية التي ضاعفت الأسعار ورفعت الدعم جزئياً.
ووصلت الاحتجاجات إلى درجة قطع الطرق، مثلما حدث في الإسكندرية ودسوق في دلتا مصر، وتم رصدها في خمس محافظات على الأقل، وتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت التحركات غير المنظمة للأهالي للتوجه إلى مكاتب التموين لمعرفة سبب حرمانهم الخبز المدعم هي السبب الرئيسي لاحتشاد التظاهرات من دون اتفاق مسبق بينهم، وسط حالة من الضبابية والغموض في طريقة التعامل معها.
رغم ذلك، صدرت تعليمات أمنية بتجنّب إلقاء القبض على أي شخص من المتضررين وتحرير محضر، فيما وعد مدير أمن الاسكندرية المحتشدين بإنهاء الأزمة وحصول المواطنين على الخبز اعتباراً من اليوم، وهو ما نجح في تقليل أعداد المتجمهرين مع وعد بالعودة مرة أخرى اليوم في حال عدم تنفيذ وعده.
ووردت في قرار مصيلحي تبريرات مثل «وجود آلاف الأسر التي تحصل على الخبز المدعم من دون أن تستحقه»، إضافة إلى إثبات وجود حالات تلاعب بازدواجية في عملية الصرف على خلفية قيام مواطنين بالحصول على حصتهم من الخبز مرتين، مستغلين وجود نظامين لهذا الأمر: الأول تابع للبطاقات التموينية والثاني مرتبط بنظام الكشوفات الذي تم إيقافه، مؤكداً أن الوزارة «حريصة على محدودي الدخل وستظل تدعمهم، وسط رفض الاعتراف بخطأ القرار».


ينتج يومياً 400 مليون رغيف لأكثر من 75 مليون مواطن

كذلك شدد الوزير للقيادة السياسية على أن ما يحدث هو تحريض من أصحاب المخابز للمواطنين «من أجل إثارة الغضب والاحتقان ضد الحكومة لتحقيق أهداف خاصة بهم»، مشيراً إلى أن القرار يسيطر على الدعم الموجه إلى المواطنين ويضمن وصوله إلى مستحقيه، فيما ستعالج أي آثار سلبية له خلال الأيام القليلة المقبلة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن أصحاب المخابز سيكونون الأكثر تضرراً لإغلاق آخر الأبواب التي يمكن أن تسمح بالفساد.
وتنتج المخابز يومياً نحو 400 مليون رغيف خبز لأكثر من 75 مليون مواطن بحسب الإحصاءات الرسمية، وذلك بعدما بدأت الحكومة قبل أربع سنوات تطبيق منظومة مختلفة في دعم القمح بتحديد حصة خمسة أرغفة لكل مواطن، علماً بأن تكلفة الدعم تصل سنوياً إلى نحو 16 مليار جنيه، ويتوقع أن تتجاوز 25 مليار جنيه مع نهاية العام المالي الجاري، بعدما زادت تكلفة الدعم نتيجة زيادة سعر المشتقات البترولية التي تعمل بها المخابز وارتفاع سعر شراء الدقيق.
وخرجت قبل أيام أخبار من وزارة التموين تفيد بوجود مقترح بتخفيض الحصة التي يحصل عليها المواطنون من خمسة أرغفة يومياً إلى ثلاثة فقط، وهو ما خرج نفي رسمي بشأنه، علماً بأن الوزارة أتاحت للمواطنين الذين لا يحتاجون إلى حصتهم كاملة، استبدال الفارق بنقاط يحصلون بموجبها على سلع مدعمة عبر البطاقات التموينية.
وثمة انتقادات لقرار الوزير بسبب التطبيق المفاجئ وغياب البدء بالعمل التجريبي على المنظومة في محافظة واحدة لمعرفة السلبيات ومحاولة تلافيها، إذ واجه انتقادات عنيفة من القيادة السياسية يوم أمس، لكن مصيلحي أكد أنه بناءً على الإحصاءات التي تتعامل معها الوزارة، فإن نسبة المتضررين هي عدد محدود .
في هذا السياق، قال رئيس «شعبة المخابز في الغرف التجارية»، عبدالله غراب، إن نحو 50% من المواطنين المستحقين لدعم الخبز لا يحملون البطاقات الإلكترونية التي يجري التعامل بها، مؤكداً أن المواطنين وأصحاب المخابز فوجئوا بقرار وزير التموين الذي بدأ تفعيله السبت الماضي ومن دون توضيح مسبق للمواطنين أو شرح كيف يتعاملون مع الوضع الجديد.
وأضاف غراب، في حديث إلى «الأخبار»، أن الوزارة لم تقم بأي إجراء من شأنه تسهيل الصرف للمواطنين المتضررين من القرار، ونشبت بسبب هذا الأمر مشادات بين المواطنين وأصحاب المخابز. فهؤلاء طالبوا المتضررين بالتوجه إلى مديريات التموين، لكونهم لا يستطيعون صرف أي خبز للمواطنين لأنهم في هذه الحالة سيتعرضون للخسارة المالية، علماً بأنهم كان يحصلون على الفارق بين تكلفة الإنتاج والبيع بالسعر المدعم من الوزارة التي أكدت التزامها بعد القرار الأخير برفض سداد سوى الفارق الخاص بأصحاب البطاقات الإلكترونية.