لا توجد أزمة بلا تاريخ، والتاريخ ماثل في الذاكرة، لكن دروسه شبه مهدرة.

المشكلة الحقيقية في مصر أن أحداً لم يراجع ما جرى حتى نعرف ــ بيقين ــ أين كانت الأسباب التي أفضت إلى إطاحة نظام الرئيس حسني مبارك، قبل ست سنوات.
هناك من يتصور أن الحكم القضائي ببراءة الرئيس الأسبق من تهمة قتل المتظاهرين في أحداث ثورة «يناير» صكّ سياسي بأن الثورة «مؤامرة». دمغ الثورة بـ»المؤامرة» استخفاف بالأسباب التي أفضت إليها.

وهناك من يتصور أن تصفية الحسابات الأخيرة مع الثورة، وكل ما ينتسب إليها، تأخر وقتها حتى تعود، بكامل حضورها، الوجوه والسياسات القديمة. أي تصورات من هذا النوع عناد مع التاريخ وحقائقه وتضحياته، وحتى إحباطاته.
لم تكن التهم التي حوكم بمقتضاها مبارك هي التي أفضت إلى الثورة عليه بعد ثلاثين سنة في الحكم. ما الذي جرى خلال تلك السنوات الطويلة؟ كيف نهبت الموارد العامة وتوحش الفساد مقنناً وممنهجاً كما لم يحدث في التاريخ المصري كله في ما وصف وقتها بـ«زواج الثروة والسلطة»؟ وكيف تراجعت مكانة مصر في إقليمها وقارتها وعالمها على نحو مروع؟ وكيف تغول الأمن في الحياة العامة وجففت الحياة السياسية؟هو حارس بناية، لا يملك أن يورثها لابنه

لم تحدث أي مساءلة سياسية حتى نعرف أين كانت الجرائم الحقيقية التي تستحق الحساب. لا فُتحت ملفات ولا روجعت وثائق. بالحساب السياسي وحده يطهر الجرح قبل تضميده. لا يعني مثل ذلك الحساب الانتقام الشخصي بقدر ما يعني إدراك الحقائق حتى نعمل على عدم تكرار الأخطاء نفسها.
وبالحساب الجنائي تتحدد مسؤولية إهدار الثروات العامة، أو أي تجاوزات أخرى في ملفات حساسة.
لم يكن معقولاً محاكمة رجل حكم مصر لثلاثة عقود متصلة بما جرى فقط في آخر ثمانية عشر يوماً من حكمه. لو أن الشرعية في صفه، لأمكن القول إنه استخدمها ضماناً لأمن البلاد. ولو أن الشرعية ضده، فإن استخدام القوة عدوان عليها. وقد كانت الشرعية ممثلة في ملايين المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع. إنكار تلك الحقيقة عناد مع التاريخ.
في غياب المساءلة السياسية أمكن للماضي أن يعيد إنتاج نفسه. ولم يكن هناك أي خطة للانتقال السياسي إلى عصر جديد، ينسخ الماضي ويؤسس لدولة ديموقراطية حديثة.
في تغييب الحقائق أطلّ الماضي من جديد.
الثورات ليست مؤامرات، ولكل ثورة أسبابها وسياقها.
مطلع عام ٢٠٠٤، وكان الرئيس قد تعافى نسبياً من الأزمة التي دهمته وهو يلقي خطاباً أمام البرلمان، استدعت قطع الإرسال التلفزيوني وفرض حالة الطوارئ القصوى، قال بما نصّه: «لا أريد أن أدخل التاريخ ولا الجغرافيا».
كان ذلك على هامش اجتماع ضمه إلى مثقفين، دعاه خلاله المفكر الراحل الدكتور محمد السيد سعيد إلى تبنّي الديموقراطية حتى تكون له فرصة في دخول التاريخ.
العناد مع التاريخ، كما الاستهتار به، عواقبه لا تحتمل.
وقد كان عام ٢٠٠٥ مفصلياً في تقرير مصير نظام حسني مبارك. في ذلك العام، جدد ولايته الرئاسية لمرة خامسة وتولى نجله الأصغر جمال مبارك إدارة الحملة الانتخابية التي بدت كـ«استعراض الرجل الواحد».
عندما أعلن فوزه، كما كان مؤكداً، اجتمعت قيادات الحملة في أحد المقار في حي مصر الجديدة لتحتفل بالنتائج. جلس في الصف الأول أعضاء «لجنة السياسات» التي يترأسها نجل الرئيس، بينما جلس وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي، مع وزراء آخرين، في الصف الثاني.
سأل العادلي واحداً من أبرز وجوه تلك اللجنة: «ما الذي تريدونه بالضبط؟». تبدّت في السؤال إجابته، أن يكون هو «وزير داخلية التوريث».
في تلك اللحظة طرق الأبواب العامة للمرة الأولى سؤال: «مصر إلى أين؟».
لم يكن أحد يعرف إلى أين تمضي الأمور، فـ«الدولة تتفكك» بتعبير الدكتور ممدوح البلتاجي الذي أسندت إليه على التوالي وزارات السياحة والإعلام والشباب، ومستقبل نظام الحكم بين قوسين كبيرين، وصراعات الحرسين القديم والجديد خرجت إلى العلن، وإحكام لجنة السياسات على القرار الاقتصادي بات كاملاً، وسيناريو «التوريث» بدا أنه قد دخل شوطه الأخير، بينما الحركات الاحتجاجية تتصاعد والمؤسسة العسكرية تمانع بمواريث أنها صاحبة الحق في السلطة.
بتعبير نقل وقتها عن وزير الدفاع الأسبق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، فإن رئيس الجمهورية هو حارس بناية، لا يملك أن يورثها لابنه.
بعبارة مقاربة، وصف مرشد «الإخوان المسلمين» عندما صعدت جماعته إلى الحكم دوره بأنه كـ«رئيس اتحاد الملاك».
في الحالتين، بدا البلد بناية تنتظر من يفرض ولايته على سكانها، وكانت النتائج كارثية للنظامين.
لم يكن مبارك يعتقد أن التوريث ممكن، فهو يعرف الطريقة التي صعد بها إلى السلطة، لكنه لم يمانع في ذلك السيناريو ودفع الثمن فادحاً في النهاية.
طول البقاء في السلطة أغوى بمشروع أسرة ملكية جديدة.
بغياب أي بنية حديثة تضمن انتقالاً سلمياً وطبيعياً، بدا الانفجار محتماً دون أن يكون أحد على يقين: كيف؟... ومتى؟
السؤال الضروري هنا: لماذا تأخر التغيير حتى كانون الثاني/يناير ٢٠١١؟
ربما أحد أسباب مثل هذا التأخر اتساع هامش الحريات الصحافية والإعلامية. باليقين، فإن تلك الحريات ساعدت على ترقية الوعي العام ورفع مستوى إدراكه للحقائق من حوله، وقد ساعد ذلك في التمهيد لـ»يناير». لكنها باليقين أيضاً أمدّت في عمر النظام لنحو خمس سنوات.
باتساع حرية النقد، ارتفع منسوب الأمل في التغيير من الداخل.
بضيق طبيعة النظام على أي تغيير، بدا أن تغييره هو مسألة وقت.
وقد كانت كلمة النهاية في عمر ذلك النظام الانتخابات النيابية عام ٢٠١٠، التي زُوّرت بفحش.
عندما سدت القنوات السياسية وفرض الأمن كلمته على الحياة العامة وارتفعت حدة المظالم الاجتماعية، دقت أجراس الإنذار في المكان بأن هناك شيئاً غامضاً يوشك أن يحدث، تتجمع سحبه في الأفق.
لم يكن يشك أحد، لا في مصر ولا خارجها، في أن سقوط نظام مبارك مسألة وقت.
أرجو أن نراجع السيناريوات التي حاولت أن تتوقع الصورة التي يمكن أن يسقط بها النظام.
هناك من توقع «ثورة جياع»، بالنظر إلى تزايد الاحتجاجات أمام المخابز ومستودعات أنابيب الغاز.
وشيء من ذلك التوقع يطل من جديد في احتجاجات الخبز جراء سياسات تستنسخ الماضي، كأننا لم نتعلم شيئاً من التاريخ.
فالذين أفضت سياساتهم إلى إسقاط النظام كله، لا يحق لهم أن يعطوا دروساً في سبل تجاوز الأزمة الاقتصادية ولا أن يطرحوا أنفسهم كـ«خبراء مجربين».
وهناك من توقع «انتفاضة خبز جديدة» كما جرى في انتفاضة كانون الثاني/ يناير ١٩٧٧. وشيء من ذلك التوقع لا يمكن استبعاده تحت ضغط الأنين العام جراء ارتفاعات الأسعار وغياب أي عدالة اجتماعية في توزيع الأعباء للإصلاح الضروري ببنية الاقتصاد.
وهناك من توقع «حريق قاهرة آخر» على النحو الذي جرى في كانون الثاني/ يناير ١٩٥٢. وشيء من ذلك التوقع لا يمكن استبعاده هو الآخر تحت ضغط اليأس العام.
أسوأ ما قد يتعرض له أي بلد أن يعاند التاريخ، وألا يتعلم من تجاربه. ولا يوجد بديل آمن واحد غير القطيعة مع الماضي.
عودة الماضي بخطابه ضد «الشرعية الدستورية»، التي تنص على أنها تستند إلى «يناير ــ يونيو» ثورة فريدة في التاريخ. وعودة الماضي بسياساته، تحريض على الفوضى في بلد بالكاد يتماسك ويبحث عن أمل، ولو من ثقب إبرة.