«المذبحة المقبلة» لم تتحقق، والجيش السوري وسكان بلدة حضر صمدوا وصدّوا هجمات المسلحين، إلا أنّ إسرائيل التي تهيّأت وروّجت للمذبحة ولتدفق اللاجئين الدروز الى حدودها، مع الوعد بحمايتهم، بدت كأنها أصيبت بخيبة، لتعلن لاحقاً، وبعد إصرار وتهويل، أن حضر في «مأمن».

وكان لافتاً جداً، حتى مساء أمس، استمرار الحديث الإسرائيلي عن الاستعدادات لاستقبال اللاجئين الدروز من حضر، أو من يتبقى منهم، رغم أن الواقع الميداني لم يشهد تغييراً يمكن أن يفسر الاصرار الاسرائيلي على «المذابح»، إلا إذا كانت تل أبيب على علم مسبق بهجمات المسلحين وتأكدها من نجاحهم، وهذا «الغلط في التقدير» وجد تعبيراته في الاعلام العبري الذي تعامل مع «المذابح» كحقيقة واقعة ومرجحة للغاية.

وبدا ذلك واضحاً في تقارير وتحليلات الاعلام الاسرائيلي، إذ تركز البحث العبري المتداول على مرحلة ما بعد المجازر وسقوط حضر، رغم أن الجيش السوري وأهالي البلدة أفشلوا معركة «فتح الحرمون» التي شنّها المسلحون على حضر ومحيطها، الامر الذي دفع صحيفة «إسرائيل اليوم» للإشارة إلى أن البلدة لم تسقط، وبحسب تعبيرها «خلافاً لكل التقارير الصادرة بهذا الشأن»، وأكدت أن هناك «جلبة من لاشيء». إلا أن «الجلبة من لاشيء»، كانت إشارة واضحة الى علم مسبق لدى اسرائيل بالهجوم في القنيطرة، وما كان يعدّ لبلدة حضر، مع التقدير الى حد التأكيد بنجاح المسلحين، وهو ما يفسر «الهبّة الاعلامية» وموجة التصريحات والمواقف، لليوم الذي يلي سقوط البلدة، حتى بعد فشل الهجوم عليها.
وأمس، في أول تصريح ذي صلة، قال رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل تتابع بترقب وحذر تطورات الوضع على الحدود مع سوريا، مشيراً الى أنه أصدر تعليماته الى الجهات المعنية للقيام بكل ما هو ضروري لحماية الحدود.
وجاء موقف نتنياهو رداً على سؤال عضو كنيست من المعارضة أمس، حول احتمال أن تقدم اسرائيل الدعم للدروز في البلدات السورية في الجولان في حال تعرضهم للتهديد من قبل المسلحين، إلا أن جواب نتنياهو عُدّ تهرّباً من الاجابة، والتفافاً على السؤال، من دون أن يعلن موقفاً واضحاً.
والبلبلة التي أثارتها الرواية الاسرائيلية حول حضر، تحديداً، والتعامل معها باعتبارها قد سقطت بالفعل ولم يبق سوى انتظار مشاهد الذبح فيها، دفعت الجيش الاسرائيلي مساء أمس الى التخفيف منها، بعد أن أثارت حالة من «الغليان» داخل البلدات الدرزية في فلسطين المحتلة. وقال مصدر عسكري للإذاعة العبرية إن حضر في مأمن، وإن المعارك تدور بعيداً عنها، لكنه أكد في المقابل أن إسرائيل لن تسمح بدخول لاجئين اليها، وإن لديها كل الوسائل اللازمة لحمايتهم في المناطق المحاذية للحدود، من دون دخول الاراضي الاسرائيلية.
وكانت صحيفة «هآرتس»، صباح أمس، قد كشفت عن خطة أعدّها الجيش الاسرائيلي لمرحلة ما بعد «المذابح» بحق الدروز في حضر، مشيرة الى أن الجيش سيعمل كل ما في وسعه كي يمنع المذبحة بحق اللاجئين المتدفقين من البلدات الدزرية، أي إن المجزرة باتت واقعة ومسلماً بها، مع التقدير مسبقاً. تضيف «هآرتس» أن المذابح ستدفع عدداً كبيراً منهم باتجاه الحدود، و«تقضي الخطة بإقامة خط دفاع أول يمنع بموجبه تخطّي الحدود، على أن يناط بالشرطة الاسرائيلية خط الدفاع الثاني، للتصدي للاجئين الذين قد ينجحون في شق طريقهم الى الاراضي الاسرائيلية، في سيناريو مشابه لما حصل في أيار عام 2011»، في ما سمّي في حينه مسيرة العودة.
أما صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فأشارت الى أنهم «في اسرائيل، حتى الآن، يكتفون بالاستعدادات لإقامة مستشفى ميداني ومعسكر خيام لمواجهة حالة وصول عشرات آلاف من الفارين من سوريا». وبحسب الصحيفة، فإن «ساعة الحسم» قد اقتربت بالفعل، وعلى إسرائيل والغرب أن يدرسا ما يمكن أن يقوما به لمواجهة هذا الحسم، وأن يسألا نفسيهما السؤال الآتي: هل المنطقة المواجهة للجولان ستكون تحت سيطرة قوات حزب الله – إيران؟ أم الجهاديين من داعش؟ أم قطاع درزي مستقل؟ لتجيب الصحيفة بالقول: إن المصلحة الاسرائيلية واضحة جداً، في إشارة منها الى الخيار الثالث، أي الامن الذاتي الدرزي.
وفي نشرتها المسائية أمس، وبعد اتضاح وإقرار بفشل الخطة الموضوعة لحضر، أشارت القناة الثانية العبرية الى جهود إسرائيلية تبذل عبر أطراف ثالثة، للحؤول دون المجازر في جبل الدروز والقنيطرة، كاشفة أن غرفة العمليات الموجودة في الاردن، التي تعنى بالساحة السورية ومجريات الحرب فيها، والتي تضم ضباطاً من الاستخبارات الاميركية (سي آي إي) وأجهزة استخبارية أوروبية، طلبت من مسلحي المعارضة السورية التوقف عن مهاجمة البلدات الدرزية في سوريا.
وأمس سمعت أصوات درزية في فلسطين المحتلة، تحمّل إسرائيل مسؤولية المذابح التي تتحدث عنها ضد الدروز السوريين، باعتبارها شريكة للفصائل المسلحة من خلال دعمها لها في قتالها ضد البلدات الدرزية، حتى ولو اقتصر الحديث فقط على المساعدة الطبية، التي بلغت بإقرار تل أبيب أكثر من 2000 جريح من المعارضة المسلحة عولجوا في المستشفيات الاسرائيلية، وجزء كبير منهم عاد لقتال الجيش السوري وتهديد البلدات الدرزية.
ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن ناشطين دروز في فلسطين المحتلة «انتقادات لاذعة» لسياسة الجيش الاسرائيلي في الجولان، ونقلت عن بعضهم قوله إن إسرائيل تدعم أولئك الذين يقاتلون أقرباءهم في الجانب الثاني من الحدود، بل «هي تداوي جرحى النصرة وداعش في مستشفياتها، بينما لا تقدم المساعدة الطبية للدروز، وإذا تطلب الامر فنحن جاهزون لإجلاء الجهاديين من المستشفيات الاسرائيلية».
ونقلت الصحيفة عن إحدى الناشطات الدرزيات في بلدة مجدل شمس، الواقعة في الشطر المحتل من الجولان، قولها إن «إسرائيل تداوي الجرحى المنتمين الى المنظمات الارهابية كل يوم تقريباً، كما أنها تتعامل معهم باحترام، لكن على تل أبيب أن تفهم أن جرحى المجموعات المسلحة الذين يعالجون لديها هم أنفسهم الذين يهدّدون أقرباءنا في سوريا».