القاهرة | المزاج أو «الكيف» في التعامل مع القضايا هو الأسلوب الذي بات يتعامل به البرلمان المصري مع القضايا الملحة. فالمجلس المنتخب والمنعقد منذ 15 شهراً، لم يمرر بعد العديد من القوانين المكمّلة للدستور، أبرزها قوانين التشريعات الإعلامية التي أبقت رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف القومية في مواقعهم مؤقتاً حتى إشعار آخر، بسبب تباطؤ المجلس في إمرار القوانين التي خُصص لها شهر بدءاً من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، علماً بأن المجلس تأخر في إقرار القوانين الخاصة لأكثر من عام، برغم النص الدستوري على إقرارها في دور الانعقاد الأول وليس الثاني.


ويواصل رئيس البرلمان علي عبد العال، إمرار ما يشاء من أولويات خلال الجلسات. فالمجلس، الذي خرج منه رئيس اللجنة الاقتصادية ليكون وزيراً للتموين، لم يتحرك في أزمة نقص الخبز الأخيرة التي شهدت احتجاجات وقطع طرق، كما لم يتحرك في ملف سد النهضة بتعليمات من جهات أمنية في أعقاب إسناد الملف لإحدى الجهات السيادية وإقصاء مختلف الوزارات والجهات، باستثناء وزارة الخارجية التي يبقى دورها شرفياً، ومقتصراً على الاجتماعات التي يحضرها مسؤولوها مع نظرائهم في دول حوض النيل. يهدر عبد العال وهو أستاذ قانون العديد من القضايا المهمة، مستغلاً صلاحياته. لكن المؤكد أن التعليمات التي تمليها أجهزة في الدولة على النواب، لم تعد مقتصرة على رئيسه فقط، وإنما أيضاً على بعض رؤساء اللجان، وفي مقدمهم رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، بهاء أبو شقة، الذي بات يستجيب للتعليمات باستثناء اعتراضه على رفض إقرار حكم محكمة النقض بتصعيد النائب، عمرو الشوبكي، السياسي المعارض، على حساب النائب أحمد مرتضى منصور، بعدما ثبت وجود خطأ جسيم في محاضر الفرز.
مرور أشهر عدة على حكم النقض، لم يمنع البرلمان من تأجيل المناقشة في هذا الموضوع وعدم طرحه على الجلسة العامة، في مقابل طرح طلبات أقل أهمية بشأن رصف طرق ومناقشة تقارير عن ميزانية الدولة في السنوات الماضية، وغيرها من الأمور التي وضعت على الجدول باعتبارها أكثر أهمية من تنفيذ حكم محكمة نهائي واجب النفاذ ولا يجوز الطعن به.
وقد مرر البرلمان بتعليمات أمنية، إسقاط عضوية النائب أنور السادات بتصويت علني لغالبية الأعضاء الذين أيدوا القرار والتهم الموجهة لرئيس لجنة حقوق الإنسان السابق. وشملت التهم تسريب مشاريع القوانين لسفارات أجنبية ومخاطبة البرلمان الدولي من دون الرجوع إلى المجلس، فيما كان السبب الحقيقي هو انزعاج رئيس البرلمان والأجهزة الأمنية من تسريب السادات ميزانية مجلس النواب التي أظهرت سيارات لرئيس المجلس بقيمة 18 مليون جنيه، وهو رقم كبير جداً، في ظل دعوات التقشف التي يطالب بها المجلس الحكومة والمواطنين، ويمرر باسمها مزيداً من الإجراءات الاقتصادية الصعبة عليهم.
البرلمان الذي أسقط عضوية السادات، رفض رفع الحصانة عن مرتضى منصور بعد مطالبة النائب العام في خطاب رسمي للمجلس من أجل مباشرة التحقيقات في واقعة قيامه بسبّ وقذف كابتن منتخب مصر السابق أحمد حسن. وهو الطلب الذي تم رفضه، وبالتالي لن يتمكن النائب العام من مباشرة التحقيقات مع النائب في القضية التي سيتم تعليقها لحين خروج النائب من المجلس بعد نحو أربع سنوات.
ذلك في الوقت الذي يرفض فيه رئيس البرلمان الهجوم على شخصه وعلى أداء النواب الذين يقومون بزيارات ورحلات داخل مصر بدعوى «تفقد الأوضاع ومعاينة المشاريع» بين الغردقة والفيوم والأقصر وأسوان، ويقيمون في أكبر الفنادق على نفقة الدولة.
من الواضح أن النواب ينشغلون بالأولويات التي تُملى عليهم. حتى أولوية مشاريع القوانين لا يختارها النواب، ولكنهم يتركونها للحكومة التي تملي عليهم مشاريعها الجاهزة عن طريق وزارتي العدل والعدالة الانتقالية، بينما يقف النواب يتابعون متحفظين قليلاً على مشاريع الحكومة التي عادة ما تشهد تغييرات طفيفة.
اللافت أن النواب لم يطالبوا حتى الآن بمعرفة المزيد من المعلومات عن ميزانية الحكومة في العام المالي الجديد أو مناقشتها، بالرغم من أن بداية العمل الفعلي في الموازنة ستكون في أول يوليو/ تموز المقبل. كما تجاهل المجلس مناقشات عدة حول مشاريع قوانين مرتبطة بتعديل أوضاع فئات عدة، منهم المحامون، في مقابل طرح مشاريع أخرى سيتم بموجبها تحصيل مزيد من الضرائب.
مرور الوقت دفع أعضاء البرلمان إلى تقديم مبررات مختلفة، فوكيل المجلس، سليمان وهدان، يؤكد أن «أداء الحكومة سيئ»، لكن سحب الثقة منها لن يحل المشكلة، بينما لم تسعَ الغالبية البرلمانية حتى الآن الى الاطلاع على نصوص اتفاقية صندوق النقد الذي حصلت منه الدولة على قرض قيمته 12 مليار دولار، برغم توقيع الاتفاقية قبل نهاية العام الماضي بأسابيع عدة، ووصول الشريحة الأولى من القرض وتحرير سعر الصرف، إلا أن النواب لم يطلبوا حقهم الدستوري في الموافقة على الاتفاقية أو رفضها.