بتوقيع ممثلين عن الفصائل المسلحة المتنازعة في ما بينها، والبالغ عددها 15 فصيلاً، على اتفاق التسوية، أسدل الستار صباح أمس على مأساة طويلة من معاناة الحمصيين، وأبناء حي الوعر بشكل خاص. وإذ اعتُبر التوقيع مجرد إجراء، فهو يحمل في طيّاته تعهدات بالتزام جميع الأطراف بالتسوية المتفق عليها، مع ممثلين عن الدولة السورية، بحضور الطرف الروسي الضامن تنفيذ الاتفاق.


ومن المنتظر البدء بتطبيق البند الأساسي من التسوية، والذي يقضي بخروج أول دفعة من المسلحين، تقدّر بـ500 شخص، يوم السبت المقبل، على أن يتوالى خروج دفعات لاحقة منهم، خلال مدة محددة بين 6 إلى 8 أسابيع، يتوجه خلالها ما يقارب 1500 مسلح نحو وجهات عدة، بحسب الفصائل وارتباطاتها. بعض عناصر هذه الفصائل يمضي باتجاه ريف حمص الشمالي، في حين يرحل آخرون نحو جرابلس الحدودية. وفي جوّ يسوده القلق من قبل المسلحين، الذين يجرون اتصالاتهم للتأكد من وجود من يرغب في استقبالهم من فصائل مسلحة أخرى في الوجهات المذكورة، يتعهد الطرف الروسي بتأمين وصول هؤلاء نحو وجهاتهم المحددة، فيما تعمل محافظة حمص، بدءاً من يوم الخميس، على إعداد الترتيبات اللوجستية اللازمة لإجلاء المسلحين عن الحي. ومن الملاحظ أن الاتفاق، وبعدما تعثر تنفيذه مرات عدة طوال السنوات الثلاث الماضية، أسقط بنداً من بنوده السابقة، وهو ملف المعتقلين، ما أفسح في المجال أمام الدولة السورية لقطع الطريق على المطالبين به، بعد تشكيلها لجاناً في وقت سابق، مهمتها متابعة ملفات الموقوفين تحت إشراف وزارة العدل. فيما أغفل الاتفاق ملف المفقودين، بسبب شحّ المعلومات عن مصيرهم المرتبط بالوجود المسلح داخل حي الوعر، الذي يقع على بعد 5 كلم إلى الغرب من مركز مدينة حمص، والذي يفصله عن أحيائها القديمة مجرى نهر العاصي.
وينتظر أهالي الحي، الذين يقارب عددهم 50 ألفاً، خروج المسلحين، ليتم فتح الطرق أمام دخول المواد الغذائية والإغاثية، وعودة مؤسسات الدولة إلى العمل بشكل تدريجي. محافظ حمص طلال البرازي لفت في حديث إلى «الأخبار» أنّ «لا تغيير ديموغرافياً سيصيب الحي»، بل على العكس من ذلك، «يمكن لأي شخص يملك بيتاً في الحي أن يعود إليه». ويتابع البرازي أن خروج المسلحين مع عائلاتهم لا يشكل تهديداً لطبيعة المنطقة السكانية، في ظل تعداد كثيف لأهالي الحي المقيمين فيه. ووفق تقديرات المحافظ، فإن عدد المسلحين ومن قرر الخروج من عائلاتهم لا يزيد على بضعة آلاف، لن تؤثر كثيراً على الكثافة السكانية. ويحدد محافظ حمص فترة 3 أشهر لإتمام تسويات أوضاع شبان الحي، تبدأ من لحظة التوقيع على الاتفاق. ويبدو البرازي متفائلاً هذه المرة، بعدما جرت عرقلة إتمام الاتفاق 5 مرات، رغم قطع أشواط متقدمة من المفاوضات، إذ إن التوقيع، هذه المرة، تم بوجود طرف قوي ضامن. وحول سبب مرونة الزمن المحدد في الاتفاق، والذي لم يتضمن خروجاً فورياً للمسلحين، ما يفسح المجال أمام المخاوف من أي خرق جديد، يبرر البرازي الأمر بالوقت اللازم لتحديد وجهات المسلحين وترتيبات إخراجهم وضمان تأمين وصول دفعات الخارجين من المدينة. ومن الجدير بالذكر أن الجيش السوري يشرف على حي الوعر، بجُزُره السكنية الثماني، عبر نقاط وجوده في منطقة الكليات، ومن بينها الكلية الحربية والمدرعات والشؤون الفنية. ويحوي الحي المشفى العسكري، الذي لم يتوقف عن العمل رغم الأوضاع الأمنية المتردية، خلال السنوات الماضية، ضمن الحي المسمّى رسمياً «حمص الجديدة».