القضية ليست جمال عبد الناصر بقدر ما هي الخيارات الاجتماعية التي تحكم مصر الآن. قضية مبدأ ومستقبل لا حساب رجل وتاريخ.

لم يكن هجوم وزير الصحة على الزعيم الراحل تحت قبة البرلمان تفلتاً بالألفاظ بقدر ما كان تعبيراً عن خيارات تناهض أية فلسفة اجتماعية تنحاز إلى الأغلبية الساحقة من المواطنين.

بكلام مباشر، جرى التراجع عنه بادعاء تأويله، نسب إلى عبد الناصر مسؤولية تهاوي المنظومة الصحية «عندما قال إن التعليم كالهواء والصحة مجانية لكل فرد»... فـ«راح التعليم وراحت الصحة».
في كل حرف جهل بالتاريخ وإنكار للحقائق وتعال على أية حقوق اجتماعية.
لم يكن عبد الناصر هو صاحب عبارة إن «التعليم كالماء والهواء». أصغر تلميذ في المدارس الابتدائية يعرف أن صاحبها هو عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
من أزمة إلى أخرى، ومن تفلت إلى آخر، يطرح سؤال: «من أين يأتون بهؤلاء الوزراء؟».
ظاهرة التفلت في التصريحات الوزارية لافتة وتنطوي في بعض الأحيان على قدر غير قليل من الخفة التي تفتقد أبجديات الخطاب السياسي.
عندما تغيب السياسة فإن كل شيء في حالة انكشاف، وبعض الانكشاف جهل صريح.
وعندما تفشل في مهامك تبحث عن أسباب لا تعود إليك فتنسبه إلى تجربة انتهت منذ نحو نصف قرن لكنها لا زالت تلهم حتى اليوم الحقوق الأساسية في الصحة والتعليم والعمل والترقي الاجتماعي.
ما وراء الهجوم الآن على جمال عبد الناصر أهم وأخطر من الهجوم نفسه.
نص الهجوم تقليدي ومعتاد ممن يناهضون ثورة يوليو وخياراتها الاجتماعية، لكنه هذه المرة ـ كما لم يحدث من قبل طوال العقود التي أعقبت رحيل عبد الناصر ـ يصدر عن وزير مسؤول وتحت قبة البرلمان.
لماذا الصمت الرسمي على الوزير المتلفت، الذي تعد تصريحاته إهانة للتاريخ الوطني كله قبل زعيم يوليو وعميد أدبها العربي؟
هل هو قبول بالتفلت دون حساب حقيقي، أو أدنى مراجعة للخيارات الاجتماعية التي تبدو الآن على قدر من التوحش غير المسبوق؟
لا يكفي أن يتراجع الوزير عن تصريحاته واصفاً عبد الناصر بـ«الزعيم الراحل الذي أسس المنظومة الصحية الحديثة»، أو أن يقول إنه لم يقصد تعريضاً بمبدأ مجانية التعليم.
ليست تلك هي القضية وإلا تحول التاريخ إلى فلكلور والقيم الاجتماعية المنصوص عليها في الدستور إلى موضوعات في الإنشاء، تستخف بها ثم تتراجع وكأن شيئاً لم يحدث.
أين الالتزامات الرئيسية؟
أين خطط النهوض بالتعليم والصحة وعدالة توزيع الأعباء في الإصلاح الاقتصادي؟
بالإجمال: أين الشرعية الدستورية؟
قضية العدل الاجتماعي لم تخترعها يوليو ولا أقدمت على مشروعها في البناء والتنمية والتحديث من فراغ. لا يولد شيء من فراغ ولا تؤلف المشروعات الكبرى على الهوى.
بناء السد العالي وتأميم قناة السويس وإعادة توزيع الأراضي الزراعية والتصنيع الثقيل ومجانية التعليم وتوسيع الخدمة الصحية وإتاحة فرص العمل كلها توجهات طرحت قبل يوليو على المجال العام واكتسبت مشروعيتها من طموحها للبناء والتنمية والعدل الاجتماعي والالتحاق بعصر جديد يطل على العالم.
قيمة الدور الذي لعبته «يوليو» أنها نفذت بقدر ما تستطيع الأفكار الجديدة والطموحات الجسورة التي تولدت في المجتمع المصري بعد الحرب العالمية الثانية.


مع سياسة الانفتاح
الاقتصادي نشأت طبقة جديدة
«تسمسر ولا تنتج»

ولا يوجد مشروع واحد في التاريخ له أثر يلهم مغلق على نفسه، فهو يأخذ مما قبله ويضعه في التنفيذ، يتفاعل مع عصره وحقائقه، ويجدد زخمه بالإضافة والتفاعل والنقد.
النقد طبيعي لأية تجربة في التاريخ شرط أن تتوافر المعارف الأساسية بها. أين أنجزت؟ ولماذا نجحت؟ وكيف انكسرت؟ أو أين مناطق القوة التي ألهمت التغيير؟ وأين مناطق الضعف التي أودت بالتجربة كلها؟
الجهل بالتاريخ قضية أخرى.
الفلسفة الاجتماعية لثورة يوليو بخياراتها وانحيازاتها غيّرت من التركيبة الطبقية للمجتمع المصري وفتحت الأبواب المغلقة أمام أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة في الحصول على حقوقهم الأساسية في الحياة دون تمييز على أساس طبقي، والوزير نفسه واحد منهم.
وقد كان نداء الدكتور طه حسين ـ قبل «يوليو» ـ أن يكون التعليم كالماء والهواء ملهماً لفتح تلك الأبواب.
رغم الأصول الاجتماعية لأغلب الوزراء الحاليين لا يتورع بعضهم عن الحديث باستعلاء عن أبسط حقوق المواطنين، كأنها لعنة من مواريث «يوليو».
وزير عدل سابق قال: «إن أولاد الزبالين لا يدخلون القضاء».
وأفضى التصريح إلى إقالته من منصبه دون أن يصحب ذلك أي تعديل في الأعراف الجارية تسمح لأبناء الطبقات الفقيرة بالالتحاق بالسلك القضائي.
كما أفضت تصريحات مماثلة إلى أزمات أخرى دون إعادة نظر في الطريقة التي يجرى بها اختيار الوزراء، ولا في السياسات المتبعة.
وربما عُنف وزير الصحة على تصريحه تحت قبة البرلمان فأصدر بياناً ينفي ويراوغ حتى تهدأ موجات الغضب التي اشتعلت على شبكة التواصل الاجتماعي ونالت من النظام كله.
القضية الحقيقية ليست هنا.
القضية الأولى بالاهتمام لهجة الاستعلاء على عموم المواطنين الفقراء، كأنهم لا لزوم لهم ولا حقوق يستحقونها من تعليم وصحة منصوص عليهما في الدستور الذي أقسم الوزير على احترامه.
أرجو أن نتذكر أن إهدار الحقوق الاجتماعية الأساسية السبب الجوهري لثورة «يناير» التي أطاحت حكم الرئيس حسني مبارك، وأن رفع صور جمال عبد الناصر دون غيره في ميادين الغضب والثورة يعود إلى تجربته الاجتماعية قبل أي شيء آخر، فهو «أبو الفقراء».
كأي تجربة أخرى في التاريخ لم تكن «يوليو» مبرأة من الأخطاء التي تستحق النقد.
ليس من بين تلك الأخطاء الفلسفة الاجتماعية التي تبنتها وانحازت بمتقضاها إلى فقراء هذا البلد.
أفضل ما في «يوليو» تجربتها الاجتماعية التي لا تضارعها تجربة أخرى في التاريخ المصري كله منذ فجر الضمير، بالإضافة إلى معاركها التي انحازت فيها لقضايا التحرير الوطني باتساع العالم العربي والقارة الإفريقية والعالم الثالث بأسره.
لم تكن مصادفة أن تقويض تجربة يوليو الاجتماعية ترافق مع تراجع الدور المصري في محيطه وقارته وعالمه، كأنه انقلاب مزدوج.
مع سياسة الانفتاح الاقتصادي نشأت طبقة جديدة «تسمسر ولا تنتج» مثلت القاعدة الاجتماعية لسياسة التسوية مع إسرائيل والتخلي عن أي دور تحرري.
عندما جرى تجريف أية مكاسب اجتماعية وبيعت وحدات القطاع العام وأغلب المصانع بما وصف بأنه بـ«تراب الفلوس» وحصد من أطلق عليهم في السبعينيات «القطط السمان» ثمار النصر في أكتوبر بدأت صفحة جديدة في التاريخ المصري نالت من أدوارها وأوزانها بفداحة.
بوضوح كامل فإن القضية الآن ليست جمال عبد الناصر بقدر ما هي المستقبل المصري نفسه.
لا مستقبل بلا عدل اجتماعي ولا استقرار ولا أمل في استعادة مصر لأدوارها.
ذلك هو الموضوع الحقيقي للاعتذار لجمال عبد الناصر، وقبله للمصريين العاديين الذين يتطلعون لحقوق اجتماعية أهدرت عن سبق إصرار وترصد.