الجزائر | في 22 تشرين الأول/ اكتوبر الماضي، تقلّد جمال ولد عباس (1934) منصب الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني»، وذلك بعد تزكيته من قبل أعضاء اللجنة المركزية إثر الاستقالة المفاجئة للرجل المثير للجدل عمار سعيداني، والذي عُرف عنه في الأشهر الأخيرة هجومه على مدير المخابرات السابق الفريق محمد مدين، الملقب بالجنرال التوفيق.


ومعروف أنّ للجبهة ثقلاً كبيراً في الحياة السياسية والإدارية في الجزائر، إذ لعبت «الأفلان» دوراً تاريخياً في تمرير وتطبيق سياسات النظام، وفي تحمّل تبعاتها. وفي السنوات الماضية، عرفت الجبهة أزمات حادة تزامنت وانتقال السلطة من أمين عام إلى آخر، الأمر الذي أضعفها وجعلها رهينة لقرارات فوقية، فحُرم مناضلوها من ملكية حزبهم.
هذا الواقع الذي يُسهم في جعل مهمة ولد عباس القاضية بالحفاظ على الواجهة السياسية للسلطة الجزائرية، صعبة جداً، يزداد تعقيداً إذا ما أضيف إليه الظرف الاقتصادي غير المريح الذي عرفته البلاد إثر انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية.
كذلك، فإنّ الانتخابات البرلمانية يُفترض تنظيمها في بداية شهر أيار/ مايو المقبل، ومعروف عن «البرلمانيات» في الجزائر أنّها مولّدة الخصومات والمشادات التي لا تكاد تنتهي بين الراغبين في اعتلاء رؤوس القوائم الانتخابية. وهذا عنصر آخر يزيد من تعقيدات مهمة ولد عباس.


توجه ولد عباس برسالة تفيد بأن بوتفليقة هو الرئيس الفعلي للحزب

في هذه الظروف، كان ولد عباس يعي جيداً أن خلافة شخصية مثل عمار سعيداني على رأس «الحزب الحاكم»، ليست بالأمر الهيّن، فاحتمى برئاسة الجمهورية، وكان أول المنادين بعهدة خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وتوجّه برسالة واضحة لخصومه، مفادها بأنّ بوتفليقة هو الرئيس الفعلي للحزب، وأنه هو من عيّنه، وبالتالي فإنّ أي هجوم عليه يعني هجوماً على شخص الرئيس.
وفور تسلمه مهماته الجديدة، أطلق، من دون انتظار، عملية تحطيم تركة سلفه، وظهرت نواياه جليةً في انتهاج سياسة «لمّ الشمل»، بعدما تحوّل الحزب إلى بؤر متناحرة، بفعل سياسات سعيداني التصادمية وتصريحاته المخوّنة والمهددة لخصومة، والتي وصلت إلى حدود غير مسبوقة في الساحة السياسية الجزائرية.
وفي السياق، فتح الأمين العام الجديد، المعروف بهدوئه، أذرعه للجميع، واعداً بـ«تشبيب الحزب»، الذي يوصف راهناً بالهرم، وبمحاربة المال الفاسد، في إشارة واضحة إلى رجال الأعمال، الذين تغوّلوا، وشكلوا ما يشبه شبكة عنكبوتية، تعيق حركة الجبهة، وتثير غضب القواعد الشعبية.
وكي يتفرغ لعملية السيطرة على قيادة الحزب الذي يضم أوفياء ومعينين من طرف الأمين العام السابق، قلّص ولد عباس صلاحيات المكتب السياسي، وحاول عبر مداخلاته الإعلامية الظهور في صورة صاحب القرار الأول والأخير، الأمر الذي لم يستسغه المكلف بالإعلام في الحزب، حسين خلدون، فأعلن استقالته، وندد بما سماه «استفراداً» في اتخاذ القرار، من طرف الأمين العام. وقال خلدون: «لقد صرنا نسمع قرارات مصيرية، وسيادية، عبر وسائل الإعلام، من دون أن نتدخل فيها نحن أعضاء المكتب السياسي».
فترة الهدوء التي لم تدم إلا أيّاماً فقط، استهدفها رجل آخر، هو عبد العزيز بلخادم، رئيس الحكومة الأسبق، وأحد أمناء الحزب السابقين. فكان بلخادم أول من شكك في شرعية ولد عباس، إذ نادى في لقاء تلفزيوني «بمرحلة انتقالية تقودها لجنة قيادية»، وذلك قبل أن يلفت إلى السن المتقدمة لولد عباس (83 عاماً)، قائلاً: «إنّ خياطة ثوب جديد لا تكون بالقماش البالي».
في الأثناء، حلّت مرحلة تحضير القوائم الانتخابية تمهيداً للانتخابات البرلمانية المقبلة، فأتت معها رياح الغضب والتنديد من قواعد الحزب. تلقى جمال ولد عباس 642 رسالة احتجاج، تحملُ رفضاً قاطعاً للأسماء التي وردت في القوائم. كما شهدت ولايات عدة، تظاهرات بسبب كثرة المعينين في القوائم من دون أن يكون لهم «أي تاريخ نضالي في الحزب». ولقد أحدثت قائمة العاصمة فتنة حقيقية في وسط «الأفلانيين» (مناصرو الجبهة)، وذلك لأنها حُسمت بـ«قرار فوقي» أثار موجات غضب صامتة. برغم ذلك، فقد نجح ولد عباس في إعادة شخصيات كان سعيداني قد أخرجها، لكنه عجز عن إزاحة رجل الأعمال المثير للجدل، بهاء الدين طليبة، أحد المقربين من سعيداني.
أمام اللغط الكبير الذي أثير، خرج ولد عباس عن صمته، ونظم مؤتمراً صحافياً، يوم السبت الماضي، أكد خلاله أنه لم يخضع «لأي ضغوط من أي جهة»، ورفض الحديث عن تأثير رئيس الوزراء، عبد المالك سلال، في عملية إعداد القوائم. كما رفض الخوض في تقارير إعلامية تحدثت عن تورط ابنه في عمليات رشوة متعلقة بالاستحقاق الانتخابي المرتقب.
في المؤتمر نفسه، تناول مسألة غياب بوتفليقة عن المشهد العام، فقال إنه زاره، ووجده يمارس مهماته بصفة عادية، مضيفاً إنه لا يجب الإلحاح حول صحته، وإن إلغاء بعض الزيارات المقرّرة كزيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يعود إلى حق الرئيس في الخلود إلى الراحة.
كذلك، أشار إلى أنه باقٍ على رأس الحزب حتى عام 2020، مفنداً بذلك احتمال رحيله بعد نهاية الانتخابات. لكن تبقى أمام جمال ولد عباس عقبة حقيقية، وهي المحافظة لحزبه على الغالبية في البرلمان حتى يضمن منصبه على رأس الجبهة، وخاصة أن المنافسة على مقاعد البرلمان ستكون شرسة أمام «التجمع الوطني الديموقراطي»، وهو ثاني حزب في الجزائر، ويقوده الرجل القوي ورئيس ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى.