باريس | اتسمت مواقف الاتحاد الأوروبي من الأزمة السورية، طوال السنوات الست الماضية، بمفارقة فاقعة. فأوروبا تلعب دوراً مركزياً وبالغ الأهمية في مجال المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب في سوريا. لكن الاتحاد الأوروبي يعاني، بالمقابل، من انقسامات مزمنة بين الدول الأعضاء أفقدته تدريجياً أي ثقل دبلوماسي أو تأثير سياسي في مسار الأحداث السورية.


الاتحاد الأوروبي يحتل المنزلة الأولى في مجال الغوث الإنساني للمتضررين من الحرب في سوريا، اذ إنه رصد للأزمة السورية على مدى أربع سنوات (2012 ــ 2015)، 5 مليارات يورو من المساعدات الغذائية والصحية للاجئين السوريين في دول الجوار (لبنان، الأردن وتركيا) وللنازحين والمهجرين داخل سوريا. كما تعهد الاتحاد، خلال مؤتمر "أصدقاء سوريا" الذي انعقد في لندن، في شباط 2016، بتقديم 3 مليارات إضافية من المساعدات المخصصة لـ"التنمية وإعادة الاستقرار".
أما على الصعيد السياسي، فلم تستطع أوروبا أن تشكل كتلة دبلوماسية مؤثرة أو مغايرة في مواجهة الثنائية الأميركية ــ الروسية. أسهمت في ذلك عوامل عدة، بعضها مرتبط بإشكاليات هيكلية سببها أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك جهازاً دبلوماسياً مخوّلاً اتخاذ مواقف ملزمة لكل الدول الأعضاء، ولا هيئة عسكرية من شأنها أن تمنح أوروبا استقلالية في القرار تمنحها القدرة على التحرك عسكرياً بمعزل عن حلف الناتو. وفضلاً عن ذلك، فقد برزت خلافات أخرى ذات طابع سياسي ألقت بظلالها، بشكل مبكر، على مواقف الدول الأوروبية من الأزمة السورية.
يرى فريدريكو سانتوبنتو، المختص بـ"السياسات الأوروبية في مجال إدارة الصراعات والوقاية منها"، أن أسباب تلك الخلافات تعود الى "مسارعة المحور الفرنسي ــ البريطاني الى الاصطفاف في جانب المعارضة الديموقراطية السورية، ومنحها الاعتراف الدبلوماسي والتمويل والتسليح. وهو ما لم يلق قبولاً من باقي دول الاتحاد، التي رأت أن على أوروبا ألا تنغمس مع طرف ضد آخر في النزاع السوري، لأن ذلك من شأنه أن يقلص من تأثيرها الدبلوماسي ومن هامش الحرية المتاح لها على صعيد الغوث الإنساني".
برز ذلك التباين في المواقف بين المحور الفرنسي ــ البريطاني وباقي الدول الأوروبية للمرة الأولى، خلال اجتماع لوزراء الخارجية الأوروبيين عقد في أيار 2013، بمقر المفوضية في بروكسل، للنظر في طلب تقدمت به فرنسا لرفع الحظر الأوروبي على توريد السلاح للمعارضة السورية.


استمرت الخلافات الأوروبية في سوريا إلى أن انهارت
«عقيدة فابيوس»
تعرّض وزير خارجية فرنسا، لوران فبيوس، خلال ذلك الاجتماع لانتقادات شديدة، بسبب تصريحاته المغالية التي اعتبرها أقرانه "مخالفة للأعراف الدبلوماسية وللقيم الأوروبية"، ومنها تصريح في آب 2012، قال فيه إن الرئيس "بشار الأسد لا يستحق الوجود على وجه الأرض"، وتصريح آخر احتج فيه فابيوس، في كانون الأول من السنة نفسها، على القرار الأميركي بتصنيف "جبهة النصرة" على لائحة التنظيمات الإرهابية، بوصفها فرعاً لتنظيم "القاعدة" في سوريا، معتبراً أن "النصرة تقوم بعمل جيد على الأرض"!
تلك الخلافات الأوروبية دفعت المحور الفرنسي ــ البريطاني لاحقاً إلى التحرك بمعزل عن باقي دول الاتحاد الأوروبي. ففي أعقاب "الهجوم الكيميائي" الذي وقع في غوطة دمشق، في 21 آب 2013، سارعت باريس ولندن الى دق طبول الحرب، وشرعت، بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، في التحضير لضربات جوية ضد النظام السوري، من دون العودة الى بقية الشركاء الأوروبيين.
لكن مجلس العموم البريطاني صوّت في 30 آب ضد مقترح رئيس الحكومة، آنذاك، ديفيد كامرون، ما جعل الإدارة الأميركية تتردد في خوض الحرب من دون حليفها "الأنغلوسكسوني" التقليدي. حيال ذلك، حاول فابيوس استمالة زملائه الأوروبيين، لتعويض التراجع البريطاني. لكن النقاش الذي دار بين وزراء الخارجية في بروكسل بشأن الضربات الجوية ضد دمشق عمّق من هوة الخلافات. فقد تحفظت ألمانيا على المشاركة في تلك الضربات، ولم تتخذ موقفاً واضحاً بتأييدها أو الاعتراض عليها، بسبب السياق الانتخابي الحساس، آنذاك، قبل أقل من شهر على موعد الانتخابات التشريعية الألمانية. وعارضت بلجيكا وألمانيا "أي مشاركة أوروبية في عمل عسكري في سوريا من دون تفويض من الأمم المتحدة". بينما ذهبت بولندا والسويد وجمهورية التشيك أبعد من ذلك، إذ إنها عارضت "أي تدخل عسكري في سوريا، حتى لو تم بموافقة مجلس الأمن"، داعية الى الاحتكام الى "الحلول التفاوضية والسياسية، لا إلى قوة السلاح".
تلك العزلة الأوروبية، لم تترك لباريس خياراً آخر غير التخلي عن الضربات الجوية، بعدما قرر الرئيس أوباما، بعد تردد، عدم المشاركة فيها. لاحقاً، اعترف الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، في الكتاب الشهير، الذي عصف بحظوظه في الترشح لولاية رئاسية ثانية، "لا يليق بالرئيس أن يقول ذلك"، بأن إحجام أوباما في اللحظة الأخيرة عن المشاركة في الضربات الجوية ضد دمشق وضع باريس في موقف حرج، إذ "اضطررنا إلى التخلي عن الضربات، بعدما كانت الطائرات الحربية في قاعدة "تولون" قد شغّلت محركاتها"!
الخلافات الأوروبية بشأن الموقف من الأزمة السورية استمرت لاحقاً، الى أن انهارت نهائياً "عقيدة فابيوس"، القائمة على الدعم غير المشروط للمعارضة المسلحة السورية، بمن فيها الجماعات ذات التوجه الجهادي، واشتراط رحيل الرئيس الأسد عن الحكم قبل أي تسوية سياسية للنزاع. وقد شكّلت هجمات "شارلي إيبدو" في باريس، في كانون الثاني 2015، منعطفاً حاسماً في إعادة النظر بتلك الـ"دوغما" الدبلوماسية.
خلال القمة الأوروبية التي عقدت في بروكسل، في منتصف تشرين الأول 2015، رفض القادة الأوروبيون، رغم الإلحاح الفرنسي، أن تُدرج في البيان الختامي تلك "الديباجة الفابيوسية" المعتادة بشأن "رحيل الأسد كشرط مسبق لأي تسوية سياسية"، وتمت الاستعاضة عنها بعبارة مخففة أشارت إلى أن "أوروبا لا تعتبر الرئيس الأسد حليفاً في الحرب ضد داعش".
وشهد الاجتماع التمهيدي الذي عقد في لوكسمبورغ، قبل يومين من تلك القمة، على مستوى وزراء الخارجية، ملاسنات حامية وجّه خلالها وزير خارجية لوكسمبورغ، جان أسلمبورن، الذي كان يتولى آنذاك الرئاسة الدورية لمجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، انتقادات شديدة لـ"عقيدة فابيوس"، قائلاً إن "ما حدث في العراق وليبيا نماذج لا يجب أن تتكرر، لأننا يجب أن نتعلم من التاريخ تفادي الفراغ الذي قد تعصف تبعاته بنا جميعاً".
لم يكن أحد يتصور أن ذلك التحذير سيتحول الى نبوءة تراجيدية، بعد شهر واحد، حين طاولت نيران "داعش" العاصمة الفرنسية، خلال هجمات 13 تشرين الأول 2015، ما دفع دول الاتحاد الأوروبي الى اتخاذ موقف بالإجماع اعتبر أن محاربة "داعش" هي التي يجب أن تكون أولوية "التحالف الدولي" في سوريا، لتسقط بذلك آخر لبنات "عقيدة فابيوس"، التي كانت تنادي بعدم المشاركة في غارات "التحالف الدولي"، بقيادة الولايات المتحدة، لأن ذلك "من شأنه أن يساهم في تقوية النظام السوري".