القاهرة | عملياً، لم يقضِ الرئيس الأسبق حسني مبارك إلا ساعات في السجن، فيما مكث في المستشفى 2536 يوماً، منذ صدور القرار الأول للنائب العام الأسبق في نيسان 2011 تحت ضغط الشارع. كان المرض حجةً قوية ليمضي الرجل الذي خرج ضده ملايين المصريين في ثورة يناير 2011، أيام سجنه في المستشفى قبل أن يعود يوم أمس إلى منزله برفقة عائلته، بعد أيام من موافقة النائب العام على الإفراج عنه عقب إصدار محكمة النقض قراراً ببراءته من قضية قتل المتظاهرين.


فكأنما كان هناك اتفاق ضمني بين مبارك والقضاء بعدم دخوله وزوجته إلى السجن، في مقابل النقل الفوري لنجليه علاء وجمال إلى سجن طره، حيث قضى كل منهما نحو ثلاث سنوات محبوسين على ذمة قضية فساد القصور الرئاسية وهي القضية الوحيدة التي أدينا فيها، فيما لم تتم محاكمتهما سياسياً حتى الآن عن إفساد الحياة السياسية وإقصاء المعارضين والتنكيل بهم قبل الثورة، بينما بقي الحكم النهائي عائقاً أمام عودتهما إلى الحياة السياسية مرة أخرى.


لا يزال مبارك
ممنوعاً من السفر حتى إشعار آخر

نقل علاء وجمال إلى السجن، حيث أمضيا فترةً هي الأصعب في حياتهما، بينما خرجت والدتهما من قضية الفساد التي اتهمت فيها والخاصة بنقل ملكية منزل الأسرة الحالي من الدولة إليها، بعدما قدم جهاز المخابرات العامة ما يفيد خلال تحقيقات جهاز الكسب غير المشروع في القضية إثباتاً بأن عملية البيع لمصلحة سوزان مبارك تمت لـ«دواعٍ أمنية». فهي نقلت ملكية القصر الذي يقيم فيه مبارك منذ توليه منصب نائب رئيس الجمهورية إليها لتقيم فيه الأسرة بشكل دائم، في ظل احتياجهم إلى مكان آمن، علماً بأن مبارك يمتلك شقة إيجار في ضاحية مصر الجديدة أقام فيها قبل عمله بالرئاسة ولا يزال يسدد إيجارها حتى اليوم.
خرجت سوزان مبارك من القضية بعد أربعة أيام سجن قضتها برفقة زوجها في المستشفى، ولم تدخله مرة أخرى مع إغلاق الملف بشكل كامل من قبل القضاء المصري، فلم تستدع للتحقيق بعد تنازلها عن جزء من ثروتها للحصول على براءة وإغلاق كل الملفات المتعلقة بها، لتبدأ رحلتها متنقلةً بين المستشفى لمرافقة زوجها وزيارة نجليها في السجن.
ولم تنقطع سوزان مبارك عن الوجود مع الرئيس الأسبق سوى في الفترة التي دخل فيها سجن طره إبان حكم جماعة «الإخوان المسلمين»، حيث نقل إلى مستشفى السجن بعد تجهيزه، لكن سرعان ما خرج منه عائداً إلى مستشفى المعادي العسكري الذي خصص له فيه دور كامل، وسط تأمين من الجيش له ومنع الزيارات إلا بموافقته شخصياً، برغم أنه قانوناً كان يفترض أن تكون الزيارات بإذن من الأمن والنيابة باعتباره محبوساً على ذمة قضايا.
لم يدخل مبارك السجن فعلياً سوى ساعات عدة، قضى فترة المرض متنقلاً بين المستشفيات من اليوم الأول لحبسه. وبرغم مغادرته السلطة قبل نحو ثلاثة أشهر من صدور أول قرار بحبسه وبقائه في قصور العائلة في شرم الشيخ، فإنه نُقل بعد صدور قرار الحبس بشكل عاجل إلى مستشفى شرم الشيخ الدولي لتلقي العلاج والذي ظل فيه نحو أربعة أشهر قبل أن ينتقل إلى القاهرة لحضور أولى جلسات محاكمته أمام محكمة الجنايات التي نقلت خصيصاً لأكاديمية الشرطة من أجل محاكمته في مكان آمن وتجنباً لحدوث محاولات احتكاك بين أنصاره القليلين والثوار آنذاك.
خلال الفترة الأولى من محاكمته، كانت المطالب متصاعدة بإعدامه مع وزير داخليته ومساعديهما عن قتل المتظاهرين بإطلاق النار عليهم. لكن أحكام البراءة التي حصلا عليها من محكمة النقض جاءت بعد تكرار عمليات القتل واستهداف المتظاهرين خلال السنوات الماضية. فإدانة مبارك بالقتل كانت ستعني بالتالي إدانة رئيس المجلس العسكري، المشير حسين طنطاوي، في المرحلة الانتقالية الأولى وإدانة الرئيس المؤقت عدلي منصور، خلال المرحلة الانتقالية الثانية، وهو رهان تمكن المحامون من التركيز عليه من خلال نفي صدور تعليمات من مبارك بقتل المتظاهرين.
أمس، تناول مبارك وجبة الفطور الأولى مع العائلة في حديقة القصر على بعد أمتار قليلة من مقر رئاسة الجمهورية في قصر الاتحادية. وبات مبارك مع زوجته، التي تملك المنزل، يعيشان في حراسة أمنية مشددة بتكليفات من وزارة الداخلية، حيث يتم اتباع الإجراءات الأمنية الخاصة بالرئيس الأسبق في التعامل معه، بينما أقامت العائلة احتفالاً صغيراً بحضور المقربين من الأهل والأصدقاء.
لم يقع مبارك سابقاً في فخ الانخداع بالبراءة، وفضل تأجيل خروجه حتى يتأكد بشكل كامل من أنه لن يعود مرة أخرى إلى السجن. فبرغم حصوله على البراءة في قضايا سابقة، إلا أن قضية قتل المتظاهرين ــ الأصعب ــ كانت تخيفه، لذا فضل أن يبقى في المستشفى تجنباً للحصول على حكم بالإدانة يعيده إلى السجن من جديد. واليوم، فحتى قضايا الفساد المالي والكسب غير المشروع لن تحرمه من «شمس الحرية» بعدما أقر قانون التصالح قبل فترة والذي يتم بموجبه رد الأموال المنهوبة مقابل الإفراج عن السارق. شيء واحد يبقى الرئيس الأسبق محروماً منه حالياً، وهو السفر حتى إشعار آخر على ذمة هذه القضايا مع إمكانية طعنه بقرار منع السفر أمام محكمة الجنايات للحصول على حرية التنقل خارج المحروسة.