تمر الذكرى السنوية الثانية على بدء العدوان على اليمن، والذكرى العاشرة لانطلاق «الحراك الجنوبي» الذي رفع شعار عدالة القضية الجنوبية. المناسبتان متصلتان عضوياً؛ في البداية كشراكة في تقاسم المظلومية وأحقية المطالب، وقد ظلت قضيتا الجنوب وصعدة متلازمتين في الساحات الميدانية والأروقة السياسية كأبرز قضيتين من قضايا اليمن المتعددة، حتى إن التماهي بين أصحاب القضيتين أخذ بعداً سياسياً ووطنياً استطاع تشكيل جبهة قوية باتجاه تحالف السلطة القائم وقتذاك، الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وحزب «الإصلاح» الإخواني.


مع بدء العدوان، حدث الافتراق، ودُفع بالطرفين باتجاه التخاصم على خلفية ملاحقة الجيش و«اللجان الشعبية» الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي في عدن، ولمنع تمدد تنظيم «القاعدة» الذي شكل تهديداً قوياً للشمال، ولا سيما بعد تبنيه تفجيرات مسجد الحشوش وجامع بدر في صنعاء. لكن، بعد خروج الجيش و«اللجان» من محافظات الجنوب، هللت مكونات وازنة في «الحراك الجنوبي»، بالإضافة إلى المكونات السلفية و«الإصلاح» لقوات «التحالف العربي»، معولين آمالاً كبيرة على دول الخليج في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتنمية الجنوب، والتهيئة لبناء المؤسسات وبسط الأمن تمهيداً لإعلان الانفصال التام عن الشمال وإعلان الجنوب دولة مستقلة.
ما حدث عكس ذلك تماماً، فقد غابت كل مظاهر الدولة، وغرقت البلاد في الفوضى وتمدد «القاعدة» مستفيداً من شراكة العداء باتجاه «أنصار الله»، مع كثير من الفصائل الممولة من «التحالف السعودي»، ووصل التعقيد إلى حد إعلان فشل «التحالف» في المحافظات الجنوبية، وخصوصاً بعد ظهور تنظيم «داعش» على الساحة الجنوبية، وتوجيهه عدداً من الهجمات، التي شكلت تهديداً وجودياً للسلطة الجديدة، لأن «داعش» بقي خارج صفقات الاستخدام مع قوى «التحالف» والقوى المحلية، على عكس «القاعدة»، الذي يبدي استعداداً لقبول الصفقات التي تؤمن له الاستمرار والكف عن مطاردة كوادره وعناصره، مقابل قبوله إعادة الانتشار والتموضع وفق صيغة التخادم.
هذا ما حدث بعدما صار «القاعدة» يشكل إحراجاً لدول «التحالف»، ولا سيما السعودية، أمام المجتمع والرأي العام العالميين، جراء سيطرته على جغرافيا واسعة وممارسة النشاط العلني. وفي ظرف أيام معدودة في أيار من العام الماضي، تبخر التنظيم بعدما كان يسيطر على معظم محافظات الجنوب، فأظهر اختفاؤه بهذا الشكل رداءة في السنياريو وفشلاً في الإخراج من دون قطرة دم واحدة في تلك المحافظات. إعادة تموضع التنظيم وانتشاره في الجبال والمديريات النائية وفر أرضية لهادي ولحكومته للعودة إلى عدن، وإن كانت العودة تتفاوت بين مدد قصيرة لتحقيق مهمات معينة مثلما عاد في أواخر 2015 في مهمة إدارة معركة تعز الفاشلة، ومدد أطول عمل خلالها على ترسيخ نفوذه وتوطيد أركانه في وجه خصومه التابعين لدولة الإمارات، ثم المغادرة من جديد بعد احتدام الصراع بينه وبينهم وشعوره بتفوق الجانب الإماراتي عليه.
على المستوى الأمني والمعيشي، لم تغير عودة هادي أو مغادرته، من واقع الجنوب شيئاً، فقد استمرت الأزمات المختلفة التي تعصف بأبناء الجنوب، وما تكاد تعالج أزمة حتى تظهر أخرى إلى العلن. فمن انتشار الفوضى الأمنية وعصابات النهب والسرقة المنظّمة، إلى فوضى امتلاك السلاح وانتشاره، والميليشيات التي تتحكم بالسلطة تحت مسمى «المقاومة»، وليس أخيراً الفساد المستشري حتى النخاع في كل مؤسسات الدولة والمحمي أيضاً من طرفي السلطة المدعومين من «التحالف» في ظل التغييب المتعمد للسلطتين القضائية والرقابية.


«التحالف» يتعمّد الإبقاء على الوضع السيئ ليضمن الطاعة


أما عن الأجهزة الأمنية، فحدّث ولا حرج، بل أفضل توصيف لها مع حسن الظن بها أنها ميليشيا مناطقية يتقاسم قادتها النفوذ والمغانم، فيما تقسم المناطق بينها وفق قدرتها على البلطجة وفرض الأمر الواقع. يبقى السؤال الذي يتردد في أذهان الجنوبيين: أين دول «التحالف العربي» من كل ما يتعرض له الجنوب؟
تُجمع القيادات الجنوبية الوطنية على أن «التحالف» يتعمد الإبقاء على الوضع السيئ الراهن حتى يقضي على أي آمال جنوبية في استقلال الإرادة الوطنية خشية منه في خروج الجنوبيين عن طاعته والمطالبة بتحقيق مطالبهم، وهو ما دفع السلطة المدعومة منه إلى الاستغناء عن الطواقم الأمنية والعسكرية والقضائية الوطنية (ضباطاً وقضاة)، وكذلك الكادر المتخصص في مؤسسات الدولة وإحالتهم إلى بيوتهم، من دون أي مسوغ قانوني أو أخلاقي، بل فرضت في مواقعهم آخرين أتت بهم من الفصائل والميليشيات المتنفذة ضمن عملية التقاسم والمحاصصة للأطراف المحسوبة عليه، وذلك من دون الرجوع إلى المواصفات العلمية والأكاديمية، أو الخضوع للتدريبات اللازمة لشغل تلك المواقع، بل إن بعض الأقسام الشرطية والقضائية والعسكرية يقودها أشخاص معروفون بسجلهم الإجرامي وترويعهم المدنيين، ولا يزالون يمارسون الدور نفسه، لكن هذه المرة بغطاء أجهزة الدولة وآلياتها، ودعوى الحرص على تطبيق القانون.
إلى ذلك، ورغم سيطرة سلطة هادي على الموارد الجمركية في المرافق البرية والبحرية والجوية، التي كانت تؤمن الموارد المالية للدولة قبل العدوان، بالإضافة إلى الموارد النفطية في محافظتي مأرب وحضرموت، فقد عجزت مالية الدولة، بعدما انتقل البنك المركزي إلى عدن، عن تأمين رواتب الموظفين في القطاع العام، ما أدى إلى تفاقم الوضع الإنساني لمئات الآلاف، وقد نقل الإعلام الجنوبي في الأسبوع الماضي صوراً مؤثرة عن مسنّ متقاعد مات جوعاً أمام مركز البريد.
في السياق نفسه، بقيت أزمة انقطاع المشتقات النفطية المفتعلة وكذلك الانقطاع المتكرر للكهرباء من جناحَي السلطة في البلد، مستعصيين على الحل، مع علم الجميع بأن المشكلة ليست في غياب المشتقات البترولية، بل في تقاسم الأرباح والمغانم، والمثير للدهشة أن عدن التي تتربع على أهم مرفأ في الإقليم تضطر أحياناً إلى استيراد المشتقات من صنعاء التي تستورد نفطها من موانئ حضرموت والحديدة!
في غضون ذلك، استمرت عمليات القتل التي تنفذها عصابات مستأجرة لأهداف متعددة، وأحياناً للقتل من أجل القتل، وانتشرت ظاهرة النقاط العسكرية المتعددة على نفس الطريق والمحمية بالدبابات وبالآليات العسكرية الثقيلة الأخرى، والمقسمة ضمن نظام المحاصصة على الفصائل، وهي تفرض الخوات على القاطرات المحملة بالبضائع، ومن عدد من النقاط العسكرية، وغالباً ما يحمل الناس العبء الناتج من ارتفاع الأسعار بسبب تلك الخوات.
إلى ذلك، أغلق تحالف العدوان منافذ الحياة ومجالات العمل على الشباب الجنوبيين، دافعاً إياهم نحو طريق واحد هو الذهاب إلى ساحات القتال في الشمال، كما نجح في طمس معالم القضية الجنوبية وتغييبها بالكامل عن الحضور السياسي، إلا في ما يخدم مشروعه وعدوانه على اليمن.