تؤكد عملية اغتيال القيادي في «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس»، مازن فقها، مع ما سبقها من استهدافات طاولت كوادر وقادة فصائل المقاومة الفلسطينية، النهج العدواني لإسرائيل.


ليس هذا التوصيف مجرد مفهوم إنشائي ينطوي على موقف من العدوانية الإسرائيلية، بل أيضاً تعبير عن حقيقة خلفيات وأهداف ووسائل هذا الكيان، الذي لا يوفر مناسبة يقدّر أنها تشكل فرصة ملائمة للانقضاض وفق قواعد تحكم أصل العمل وتوقيته وأساليبه، بما يتلاءم مع التطورات السياسية والأمنية.
أكثر عمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل على أرض فلسطين ضد قادة المقاومة وكوادرها كانت تتسم بطابع المباشرة، كونها تنفذ عبر سلاح الجو أو عمليات كوماندوس، لكن ما تتصف به عملية الاغتيال هذه أن العدو نفذها بطريقة أمنية، توصف بلغة الأجهزة الإسرائيلية المختصة بـ«الاحترافية والمهنية»، حاول عبرها ألا يترك وراءه بصمات تكشف بالدليل المادي الملموس عمن يقف وراءها، مع أنه يدرك أن الفلسطينيين على يقين بأن أجهزته الاستخبارية والعملانية هي التي نفذت هذا الاعتداء بحق الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة.
من الواضح أن العدو لجأ إلى هذا الأسلوب لاعتبارات متعددة، من ضمنها أنه حاول أن يجمع بين التخلص من الشهيد، وفي الوقت نفسه، الحؤول دون تدحرج نحو مواجهة واسعة، إدراكاً منه أنه لو تمت عملية الاغتيال عبر سلاح الطيران، أو عملية كوماندوس إسرائيلية مكشوفة، لكانت «حماس» سترد بطريقة صاخبة.
أما عن خلفية إلحاح أجهزة العدو على استهدافه في هذه المرحلة، فأوضحت تقارير إعلامية إسرائيلية أن الشهيد كان ناشطاً وفعالاً في الجهود والنشاطات التي تبذلها «القسام» في الضفة المحتلة. وبذلك تهدف إسرائيل إلى التصعيد في فرض مستوى جديد من الردع الذي ترى أنه يوفر لها حق الاستهداف، ضد شخصيات تحددها أجهزتها الأمنية.
مع ذلك، يأتي تبلور قرار الاغتيال مدفوعاً برؤية قدَّرت عبرها الأجهزة المختصة في تل أبيب أن «حماس» أحوج ما تكون إلى تفادي أي تصعيد عسكري لاعتبارات، من ضمنها واقع قطاع غزة الذي تبلور بعد عدوان «الجرف الصامد». وتعززت هذه الرؤية في ضوء مفاعيل السياسة العدوانية التي يتبعها جيش العدو نتيجة بعض الصواريخ العشوائية، التي كرس فيها العدو حتى الآن، الرد غير التناسبي ــ غير المفتوح ــ على سقوط صواريخ فردية في الفلوات، كما بات العدو أكثر جرأة وطمأنينة إلى ضمان منع التدحرج.
من الصحيح أن أسلوب الاغتيالات ليس جديداً في برنامج اعتداءات الأجهزة الأمنية والعملانية الإسرائيلية، لكنه يهدف في السياقات السياسية الحالية والمعادلات التي تحكم الواقع الأمني مع قطاع غزة، إلى أن يفرض على فصائل المقاومة في القطاع التكيف مع أساليبه المتجددة في العدوان والتي يرى أنها تسلبها «مبرر» الرد. ويراهن في ذلك على امتناعها عن الرد، وهو ما سيشجعه على مواصلة هذا النهج، تماماً كما حدث في فرضه منسوباً محدَّداً من الاعتداءات التي تأتي تحت عنوان الرد على الصواريخ العشوائية.
في ضوء هذه الرؤية، لا تكمن خطورة هذا النوع من الاغتيالات فقط في ذاتها، وإنما في تعامل العدو معها كأنها تأتي ضمن سقفه «المشروع»، الأمر الذي يؤكد أنه سيكون لها ما يليها، مدفوعة بنفس الرؤية والتقديرات التي حضرت لدى من اتخذ القرار بتنفيذ عملية الاغتيال. هكذا، يحاول العدو أن يجترح تحت سقف المعادلة التي تحكم حالياً قواعد الصراع، مع غزة، تكتيكاً يمنحه هامشاً محدَّداً في شن الاعتداءات.
وبهدف تحقيق هذه النتيجة، عمد العدو إلى التزام الصمت إزاء مسؤوليته عن عملية الاغتيال، كأنه يسلب الطرف الفلسطيني حق الرد، ويتجنب بذلك استفزازه على المستوى المعنوي بما يدفعه إلى الرد. وهكذا تبرز أيضاً حقيقة أن العدو يواصل فرض تكتيكات جديدة ــ قديمة، تشكل استمراراً لنهج العدوان، يملك فيها هامشاً أوسع في المبادرة بحكم تفوقه التكنولوجي والعسكري، لكنها محكومة بضوابط لا تغير من ماهية العدوان ولا من نتائجه.
أيضاً، تعمد العدو توجيه رسالة ردع ضمنية، بموازاة ضبابية مدروسة حول تحمل المسؤولية، عبر نشر قائمة تضم عدداً من قادة وكوادر «كتائب القسام»، للقول إن أي رد سيؤدي إلى استهدافهم، بأساليب أكثر مباشرة، مع ما يترتب على ذلك من مفاعيل تتصل بالمستهدَفين أنفسهم، على أساس أن أساليب الاغتيال الصامتة قد تُبقي للمستهدَفين هامش حركة أوسع، واتخاذ إجراءات تعزز احتمالات الوقاية، فيما يمنح الاستهداف المباشر العدو هامشاً أوسع في الاستهداف ويعزز احتمالات نجاح عمليات التصفية.