عند البحث عن سروت عبد الواحد، فإن أوّلى النتائج تكون: «هددني ابن مسعود البرزاني، لأنّني أتحدث عن واقع قوات البشمركة، وعدم تسلُّم الموظفين لرواتبهم».


النائبة عن مقعد أحد مقاعد مدينة أربيل، في كتلة «التغيير»، في برلمان العراق، والمعروفة بنقدها الحاد لرئيس الإقليم ولحزبه، لا تستطيع أن تحصر نقدها عند حدود الإقليم فحسب، محذّرة من وقوع اقتتال كردي ــ كردي يريده البرزاني، الذي يتحمّل سقوط مدينة سنجار بيد مسلحي «داعش»

■ بداية، هل بالإمكان تعريف «حركة التغيير» التي تمثلينها؟

هي حركة مدنية تشكّلت عام 2009، أسسها نوشيروان مصطفى، الذي انشق عن الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان يشغل منصب نائب الرئيس جلال الطالباني، وذلك إثر بروز خلافات بينهما حول إدارة إقليم كردستان.
خرج مصطفى من «الاتحاد الوطني» عام 2007... وبعد عامين أعلن تأليف قائمة تشارك في انتخابات الإقليم البرلمانية، وللمرّة الأولى حصلت الحركة على 25 مقعداً من أصل 111، أو من أصل 100 (لأن المقاعد الـ11 الباقية هي للمكوّنات التركمانية والآشورية، وبالتالي هي كوتا لا تحتسب). وأوّل شعار رفعته الحركة كان مكافحة الفساد في الإقليم، وباعتقادي إن الناس كانوا متعطشين للقضاء عليه، لذلك ذهبوا إلى التصويت لنا.

■ معروف عنك اتهاماتك لمسعود البرزاني وللحكومة المحلية بالفساد. ما هي أوجه هذا الفساد؟

ليس هناك شفافية في الإقليم... نحن لا نعلم ما هي واردات الإقليم. لدينا واردات شهرية من النفط، والإقليم يصدّر يومياً مليون برميل، لكن لا أحد يعلم أين تذهب تلك الواردات. نتساءل: لماذا ليس هناك برلمان يحاسب، ولا هيئة للنزاهة، ولا رقابة مالية، ولا حتّى لجنة النزاهة داخل البرلمان؟ خاصة أنه عندما نلحظ وجود مدخول بحجمٍ كبير، وما يصرف على الشعب ضئيلٌ جدّاً، فبالتأكيد هناك فساد.
الأموال تذهب إلى جيوب العائلات الحاكمة في كردستان، وتحديداً في أربيل. هناك عائلة واحدة مستفيدة من الإقليم، وتستخدم أموال الإقليم ونفوذه من أجل سمعتها، لتُعرف عالمياً بأنها العائلة الحاكمة، مقلّدين بذلك مشيخة الخليج.

■ بما يخص العلاقات مع بغداد، فإذا راجعنا التصريحات الصادرة عن الحكومات المركزية، برئاسة نوري المالكي ومن ثم حيدر العبادي، فإنها تؤكّد صرف مخصصات مالية للإقليم، فيما الإقليم ينفي ذلك. ما تعليقك؟

منذ عام 2014، قطعت الحكومة الاتحادية برئاسة نوري المالكي كل المستحقات المالية من رواتب الموظفين ومقاتلي البيشمركة، نتيجة الخلاف السياسي بين المالكي والبرزاني. أنا لا أقول إنَّ بغداد تتحمّل كامل المسؤولية، لكن كان عليها أن تفكر في الشعب الكردي وتتصرّف بحكمة، لا بسبب الخلاف. كان يجب أن تطلب قوائم برواتب الموظفين، وتدفعها مباشرةً إليهم. هذه الخطوة كان يمكن أن تشكّل ضغطاً أكبر على حكومة أربيل، كي تلتزم مع حكومة بغداد.
لكن مع الأسف، صدام حسين حينما اختلف مع جلال الطالباني ومسعود البرزاني، فرض حصاراً اقتصادياً على الشعب. والمالكي عندما اختلف مع البرزاني فرض حصاراً أيضاً. النهج هنا نفسه، لكن الوجوه تتغير.

■ لكن حكومة العبادي صرّحت بأنها خصصت في ميزانية 2017 بنداً للإقليم؟
هناك اتفاق بين بغداد وأربيل. إذا صدّرت أربيل، يومياً، 550 ألف برميل نفطي عبر الشركة الوطنية (سومو)، فسيكون للإقليم نسبة 17 في المئة من النفقات المالية الفعلية. لكن للأسف لم يلتزم الإقليم ذلك، بل إنه يصدّر النفط إلى ميناء جيهان التركي، عبر أنبوب الإقليم الخاص، والذي تسيطر عليه عائلة البرزاني. ورغم ذلك، فإن العلاقات، اليوم، بين العبادي والبرزاني فوق الممتازة، إذ يصف الأوّل الأخير برئيس الإقليم، علماً بأن البرزاني منقلب على الشرعية. وعلى العبادي احترام دستور الإقليم، واعتبار البرزاني رئيساً منتهية ولايته، وفاقداً للشرعية، لكن في ظل هذه العلاقة الجيدة، فإن الشعب هو المتضرر الوحيد.

■ بما أنّ البرزاني انتهت ولايته، وهو «فاقد للشرعية»، لماذا لا تدعون إلى انتخابات؟
نحن كحركة «التغيير» نسعى إلى تغيير النظام السياسي، وهذا هو سبب خلافنا الأخير مع الحزب الديموقراطي الكردستاني (حزب البرزاني). نريد أن يكون نظام الإقليم السياسي نظاماً برلمانياً. إلى جانبنا في هذا الطرح، هناك الاتحاد الوطني، والحزبان الإسلاميان (حزب الاتحاد الإسلامي، والحركة الإسلامية)، أي أربعة أحزاب من أصل خمسة، لكن الحزب الديموقراطي لامتلاكه السلاح وأموال الشعب وقف في وجه الأحزاب، معطّلاً البرلمان، ولم يسمح لنا بالتغيير.

■ متى موعد الانتخابات النيابية المحلية؟ وهل هناك بوادر لإجرائها؟
في أيلول المقبل... حزب البرزاني الحاكم لا يحب الانتخابات. قد يلجأ اليوم إلى تأجيلها ليُبقي الوضع على ما هو عليه. ومع دخولنا في شهر نيسان، تصبح الانتخابات على بعد خمسة أشهر، فكيف يمكن أن ندخل ولا يوجد أي إجراء فعلي يدل على ذلك؟ّ!


نحن بحاجة إلى وصاية
دولية لكي نتخلص من
أزماتنا الداخلية

■ بماذا تتسم العلاقة بين المكوّنات الكردية؟ وما هي أسباب الصراع الكردي ــ الكردي المسلح؟ وإلى أين يتجه؟
العلاقات الكردية الداخلية جيّدة في ظاهرها، ليس فيها صراع قوى، لأنها قائمة على المصالح المشتركة في ما بينها. فحزب الاتحاد الوطني والحزب الديموقراطي أدارا الإقليم لسنوات طويلة، وليس من السهل أن نطلب من الاتحاد أن يفكر مثلنا، خاصةً أنّنا حزبٌ لا يتجاوز عمره خمس سنوات. هناك أحزاب مرتبطة بمصالح اقتصادية ودولية، ولكنها جميعها تنتقد الحزب الديموقراطي. والمفارقة، أنه عندما يدعوهم الحزب الديموقراطي للمشاركة بأي اجتماع، فإنهم يركضون ليلبوا الدعوة، وكأن المعارضة لم تكن موجودة.
لكن، إذا ما تحدثنا عن الصراع المسلح، فإنني أخشى أن يجرّنا الحزب الديموقراطي إلى اقتتال الإخوة مرّة أخرى. مثلاً، قوات الروج آفا (المقصود قوات تابعة للبشمركة، وللبرزاني كما لتركيا تأثير عليها) تتعاون مع الحزب الديموقراطي، وقسم كبير منها من كردستان في سوريا، يعني أنهم ليسوا من مواطني الإقليم. أما قوات حماية شنكال (المقصود سنجار) ــ وهي قوات مشكلة من الإيزيديين من داخل مدينة سنجار ــ لا يُسمح لهم بأن يحموا مدينتهم، فالبرزاني يتعاون مع قوات من خارج العراق لحماية سنجار. أين كان حين سُلمت المدينة لداعش؟ لماذا لم تحمِها قواته قبل أن تُسلّم باليد للتنظيم؟ لماذا تركوا المدينة، وانسحبوا ليدخل مسلحو داعش؟

■ بعض القوى السياسية العراقية تتهم البرزاني بتسهيل سقوط مدينة الموصل من جهة، وبالمساعدة في تمدّد «داعش» في محيط الإقليم. هل هذا صحيح؟
هذا اتهام كبير، لا أستطيع التأكيد أو النفي. في ما يتعلق بالموصل، فإنّ القائد العام للقوات المسلحة (نوري المالكي في حينه)، هو من يتحمل المسؤولية، وليس للبرزاني أي شأنٍ في ذلك. أما بخصوص سنجار، فأحمّل المسؤولية للبرزاني ولحزبه، لتركهم المدينة وانسحابهم منها.

■ يشكّل مشروع «الانفصال عن العراق» حلماً لمختلف القوى السياسية الكردية. هل سيصبح هذا «الحلم» حقيقة؟

كل الأحزاب السياسية الكردية تطمح إلى أن يكون للأكراد دولتهم الخاصّة، وهي تسعى إلى تحقيق ذلك. حركة التغيير تريد أن يكون للأكراد دولة حقيقية، ليس مثل دولة مهاباد التي لم تدم لأكثر من سنة، وليس مثل دولة جنوب السودان لنعود ونندم بسبب الانفصال.

■ ما هي المدّة التي يمكن أن تُعلن في خلالها دولة الأكراد؟
حق تقرير المصير حقٌّ دستوري وقانوني بالشرعة الدولية، وليس هناك من قانون دولي يمنع الأكراد من أن يكون لهم دولة. لكن المجتمع الدولي يتحكم بنا، والقرار ليس بيدنا، ولا بيد البرزاني، ولا يمكنه أن ينفرد بتشكيل الدولة الكردية وحده، بل علينا أن نكون واقعيين. نعم، هناك ضغوط دولية لذلك، ومتى يشأ المجتمع الدولي، تُقَم الدولة الكردية.

■ هدد البرزاني بأنه في حال عودة نوري المالكي إلى الحكم، فإنه سيعلن «الدولة». وفي رسالة «عيد النوروز» أكّد أن الانفصال بات قريباً. ما تعليقك؟

إن الربط بتشكيل الدولة بشخص المالكي وعودته ليس إلا مهزلة سياسية، ونكتة سياسية. كيف يمكن أن يربط البرزاني الهدف السامي النبيل للشعب بعودة المالكي. صدام حسين كان أسوأ من المالكي، لماذا لم يعلن البرزاني الانفصال منذ ذلك الحين؟ أنا لا أفهم سر هذا الربط. البرزاني حين يعارض المالكي، فإنه يروّج للأخير في الشارع الجنوبي، فيرتفع مباشرةً عدد الأصوات الداعمة للمالكي. وكلّما كان البرزاني ضد المالكي، فإنه سيحصل على أصواتٍ أكثر في الشمال.

■ تركّز «حركة التغيير» على شعار محاربة الفساد، فهل تؤيدون مثلاً مطالب زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، في هذا الصدد؟

أنا مع طروحات مقتدى الصدر في تغيير مفوضية الانتخابات والقانون الانتخابي ومحاربة الفساد، ولكنني أتمنى أن يبدأ بحزبه في قضية محاربة الفساد.

■ كيف تنظرون إلى الانتخابات البرلمانية العراقية؟ هل ستشاركون فيها؟ ومن سيكون حليفكم؟

ستجري الانتخابات في موعدها المحدد (نيسان 2018) لأننا محكومون بالدستور العراقي، وسنشارك في الانتخابات، لكن حزب البرزاني لن يشارك، وهذا شأنهم. أما التحالفات، فهذا موضوع بحثٍ لمرحلة ما بعد الانتخابات.

■ تؤيدون مشروع «الأغلبية السياسية» الذي يريده المالكي؟

شخصياً، نعم. الآن أصبح مشروع الجميع، ولكن حين نادى به المالكي، في بادئ الأمر، رفضه الجميع. أنا أراه مناسباً جداً كي نعرف من هو المقصّر، ونستطيع من خلاله محاسبة الحكومة.

■ هل تؤيدون العبادي في سياسته الخارجية الرافضة لـ«الاصطفافات»؟

أعتقد أن العبادي استطاع أن ينجح في علاقاته الدولية. لأوّل مرة ننسج علاقات مع السعودية، وهذا يحسب له. كذلك، فإن علاقاته جيّدة مع إيران وتركيا، وأعتقد أن توازنه استطاع أن يخلق نوعاً من العلاقات الجيدة.

■ هل تؤيدون عودة الأميركي إلى العراق؟
نحن بحاجة إلى وصاية دولية، لمرحلة معينة كي نتخلص من هذه الأزمات. نحن نعاني من أزمة الثقة وإدارة الدولة، ونحتاج إلى مرشد يقودنا إلى الطريق الصحيح، وفي الوقت نفسه إلى قادة أكفاء.




بعدما نالت بكالوريوس في الأدب العربي، توجّهت سروت عبد الواحد (السليمانية 1970) للعمل في المجال الصحافي، وتحديداً في جريدة «الاتحاد»، التابعة لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، وقد عُرفت أيضاً بمعارضتها للنظام السابق. ومع دخول الاحتلال الأميركي إلى العراق، انتقلت إلى بغداد لتعمل في قناة «الحرّة».
اليوم، تمثّل عبد الواحد حزب «التغيير» في البرلمان العراقي، بعدما نالت 14 ألف صوت عن أحد مقاعد أربيل، الأمر الذي «أثار حفيظة مسعود البرزاني، فأصبحتُ خطراً عليه». ومنذ ذلك الحين، عُرفت عبد الواحد بمعارضتها الشديدة لرئيس الإقليم، وانتقادها شبه اليومي له، على القنوات العربية، خارقةً بذلك «الأعراف السياسية الكردية»، التي تحبّذ النقد بـ«اللغة الأم فقط».