قضية استقلال القضاء لا تخصّ القضاة وحدهم. بقدر تأكيد مثل ذلك الاستقلال، يعتدل ميزان العدالة في البلد كله. وباتساع التغوّل عليه، يختلّ كل شيء. لماذا التحرش بالقضاة الآن؟ السؤال يطرح نفسه بإلحاح وغضب في تجمعاتهم وبياناتهم على خلفية رفض جماعي لقانون «الهيئات القضائية»، الذي صدر بطريقة تثير الشكوك في أهدافه وما وراءه.


فليس هناك داع ولا تفسير يبرر إصدار قانون يخص شؤونهم بتعجل من دون اعتبار لما أبدوه بإجماع نادر من اعتراضات إلا أن تكون الصدور ضاقت بأي قدر من استقلال القضاء، كما أي قدر آخر من حرية الصحافة والعمل الأهلي.
وهكذا دخلت مصر أزمة غير مسبوقة بين السلطتين التشريعية والقضائية تنذر بتداعيات وعواقب لا يحتملها بلد منهك.
لم تكن الحكومة هي التي تقدمت بمشروع القانون المثير للاستهجان القضائي، الذي يخول رئيس الجمهورية سلطة حسم اختيار رؤساء الهيئات القضائية بالمخالفة للدستور روحاً ونصاً وللأعراف الراسخة التي سادت على مدى عقود. فمن الجهة الخفية التي أشعلت الأزمة المرشحة للتفاقم؟
بأي منطق؟... ولأي أهداف؟ بسؤال آخر: من يدير البرلمان؟
ليس هناك إجابة على شيء من التماسك، فلا أولويات تشريعية مقنعة ولا ممارسة ملموسة لدوره الدستوري المفترض في الرقابة على السلطة التنفيذية. كما لا أحد يعرف كيف تجري الأمور فيه ولا من يضبط إيقاعه العام، فلا قادة سياسيون ولا برامج معروفة ولا قواعد ملزمة من التي تعرفها البرلمانات الحديثة.
عندما تغيب القواعد يصبح التفلت سمة عامة، وقد وصلت مداها في اصطناع أزمة القضاة والوصول بها إلى نقطة الصدام والتفجير.
المثير أن القانون أجازه البرلمان على عجل في اليوم ذاته لإقرار صيغته النهائية باللجنة التشريعية.
هذا وحده مثير للتساؤلات والريبة. ما وجه الاستعجال؟
ثم ما الذي يسوغ تجاهل الإجماع القضائي على رفض التعديلات التزاماً بمبدأ الأقدمية كأحد أصول العمل القضائي في اختيار رؤساء الهيئات وفلسفة الدستور في الفصل بين السلطات، فضلاً عن النص الصريح للمادة (١٨٥) التي تقضي بأن كل هيئة قضائية تقوم على شؤونها ولكل منها موازنة مستقلة ويأخذ رأيها في مشروعات القوانين المنظمة التي تخصها، وأن هذا الرأي لا بد من أن يحترم ويقدر؟
بأي قراءة على شيء من الرشد السياسي، فإن إصدار ذلك القانون خطيئة كبرى سوف يدفع ثمنها باهظاً. في كل أزمات القضاة التي مرت على مصر بتاريخها المعاصر، مهما اختلفت الظروف والعصور وطبيعة الأزمات نفسها، فإنها كانت تؤشر على أوضاع منذرة، لكن لا أحد يقرأ التاريخ ويتعلم من عظاته.
شيء من تلك الأوضاع المنذرة حدث في أزمة ١٩٦٩، وفي أزمات أخرى تتالت على عهود أنور السادات، وحسني مبارك، ومحمد مرسي.
تطويع القضاء يتناقض مع جوهر رسالته، والصدام حتمي عندما يجري الاستخفاف به على النحو الذي جرى في الأزمة الماثلة.
العبارات التي استخدمها قضاة مصر في الدفاع عن كرامة منصاتهم تؤشر على مستويات خطيرة من عدم الثقة، فـ»القانون مشبوه» و»يثير الشك حول الغرض منه والرغبة في تقويض دعائم القضاء في الوقت الحالي» ــ بحسب بيان مجلس الدولة.
من أخطر ما يتردد أن القانون مُرر حتى يمنع المستشار يحيى الدكروري، القاضي الذي أصدر الحكم التاريخي بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، من حقه بقواعد الأقدمية في رئاسة مجلس الدولة الذي أزف أوانه في حزيران/ يونيو المقبل.
‫إذا كان الأمر كذلك‬ فإنه قانون الدكروري، وتفصيل القوانين على أشخاص أزمة ومأساة وشهادة إدانة للعصر كله.
من أوصل الأمور إلى هذا الحد؟ وأين الكلام الكثير عن احترام القضاء؟
لأي أزمة كبيرة وجوه عديدة ليست بالضرورة كلها سلبية. عودة الروح إلى قيم استقلال القضاء إيجابية، فقد تراجعت على نحو فادح في السنوات الأخيرة.
وتأكيد الثقة العامة في القضاء إيجابية أخرى، فقد تعرضت لتجريف لا يمكن إنكاره.
أول تعقيدات الأزمة، دخول المجلس الأعلى للقضاء طرفاً مباشراً، وهو أكثر هيئات الدولة إجلالاً واحتراماً.
وثاني تعقيدات الأزمة، أن رئيس الجمهورية إذا صدق على القانون فهو طرف مباشر آخر. وهو أمر غير محتمل.
وثالث تعقيدات الأزمة، أن القضاة سوف يذهبون في التصعيد إلى حد يهدر ما تبقى للمجلس النيابي من اعتبار.
ورابع تعقيدات الأزمة، أن الدستور يلزم بتولي قسم التشريع بمجلس الدولة مراجعة وضبط مشروعات القوانين، فإذا ما كان ذلك المجلس يرى أنه «مشبوه» فأي مراجعة سوف تجرى؟
تعطيل القانون هو الاحتمال الأكبر.
وخامس تعقيدات الأزمة، إذا ما مرر القانون فإن القضاة سوف يطعنون به لعدم الدستورية، وذلك يفضي بالضرورة إلى ارتباكات لا نهاية لها وصدامات مفتوحة بين مؤسسات الدولة.
مع التصعيد المتوقع لغضبة القضاة، فإن من غير المستبعد أن يلقى القانون الجديد مصير قانون الجمعيات الأهلية، الذي لم يصدق عليه رئيس الجمهورية حتى الآن بأثر ما ترتب عليه من ردات فعل دولية سلبية.
كان إصدار قانون الجمعيات الأهلية، بالطريقة التي صدر بها والنصوص التي انطوى عليها، تفكيراً أمنياً مغلقاً على مخاوفه من دون نظر إلى ما قد يفضي إليه من إلغاء عملي لعشرات الآلاف من الجمعيات، التي تعنى بصحة وتعليم الفئات الأكثر احتياجاً وتقصر عن خدماتها الحكومة.
الدول الحديثة تحكمها القواعد الواضحة لا السلطات الغامضة.
عندما كانت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في القاهرة تطرقت مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى هذا الملف، واتفقت معه ــ حسب تأكيداتها لخمسة من الشخصيات العامة والحقوقية التقتهم في بيت سفير بلادها ــ على حل مشكلة المنظمات الألمانية المتوقفة في إطار حل شامل لأزمة المجتمع المدني. وذلك يعني أن هناك قانوناً جديداً متوقعاً غير القانون الذي صدر في أجواء مريبة.
أين المسؤولية بالضبط؟ ومن وقف وراءه وحشد التصويت ومرره كأنه صاعقة؟ إلى أي مدى تحتمل مصر تلك التحرشات والصدامات مع كل معنى ينتسب إلى ثورة «يناير» وما أملت فيه من تحول إلى دولة ديموقراطية مدنية حديثة؟
لا يمكن أن يكون هناك استقرار تحتاج إليه مصر، ولا أمل في مستقبل آمن إذا لم يتم احترام الشرعية الدستورية.
القضية الأساس في أزمة القضاة الجديدة، في سياقها وفي ما حولها. غياب السياسة مأساة كاملة. عندما تغيب السياسة يتقدم الأمن. الأمن ضروري في أي مجتمع، لكن ليس من دوره إدارة الملفات السياسية. ذلك يقوّض تماماً أي تطلع لدولة حديثة ويفسح المجال لأزمات متكررة مع القضاة وغير القضاة.
في الالتحاق بالعصر تتبدى قوة المجتمعات وصلابة بنيانها أمام أي عواصف كالتي تهدد مصر الآن. بالنظر العام، فإن قضية القضاة هي قضية كل مصري.