عبارة «صفقة القرن»، التي ترددت أمام الكاميرات أثناء لقاء الرئيسين المصري والأميركي في البيت الأبيض، بدت مبهمة في صياغتها العامة ومفتوحة على التأويلات. لم تشر العبارة المبهمة إلى موضوع الصفقة ولا اقتربت من طبيعتها. رغم ذلك، لم يكن صعباً استنتاج أن الصفقة تتصل بالصراع العربي الإسرائيلي وتسوية القضية الفلسطينية، التي وصفت عن حق بـ«قضية القرن».


كما لم يكن صعباً استنتاج أن هناك شيئاً ما يجري خلف ستائر كثيفة، تتعدد أطرافه العربية، وإسرائيل حاضرة فيه. كل شيء بعد ذلك تساؤلاته أكثر من إجاباته.
باليقين، لسنا أمام مشروع تسوية جديد يلتزم بأي مرجعيات وقرارات دولية بما فيها «حل الدولتين» ووقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. لا توجد إشارة واحدة إلى أي استعداد إسرائيلي لعقد صفقة ما يتبادل أطرافها التنازلات والمصالح. أي كلام آخر فهو تهويم في فراغ التهيؤات.
على أي أساس تبرم الصفقة إذن؟
رغم التنازلات الفلسطينية الجوهرية، التي قدمت منذ اتفاقية «أوسلو»، بدا الفشل عنواناً على كل محاولات التوصل إلى تسوية ما.


لم تكن مصادفة
تزامن مباحثات واشنطن مع رفع العلم الكردي في كركوك

وقد استخدم تعبير «تسوية ما» على نطاق واسع لتمرير تلك التنازلات، التي لم تقابلها أي تنازلات من الجانب الآخر وظلت الحقوق الفلسطينية تتآكل من مرحلة إلى أخرى.
هل وصلنا الآن إلى التسليم الكامل، علناً ورسمياً، بـ«سلام بلا أرض» ــ حسب نبوءة المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، عقب اتفاقية «أوسلو» منتصف تسعينيات القرن الماضي؟
كان هناك دوماً من هو مستعد في العالم العربي أن يصدق همسات السلام دون فحص، أو أن يرى في مخالب الصقور أجنحة حمام.
أرجو أن نستعيد ــ أولاً ــ ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز، لقادة عرب في أجواء ما قبل «أوسلو»، إن المستقبل في التعاون الاقتصادي وبناء شرق أوسط جديد، وذلك اختصاصه، بينما اختصاص رئيس الوزراء إسحق رابين، إرث الماضي وتسويته.
ما هو مطروح الآن إلغاء إرث الماضي والحق في الأرض، وتوسع «مشروع بيريز» بالاندماج الكامل في الإقليم. بيريز نفسه لم يتردد إثر اغتيال رابين، أن يقول إن القدس سوف تظل موحدة وعاصمة أبدية لإسرائيل، وأن «المستوطنات سوف تستمر وتتوسع».
وأرجو أن نراجع ــ ثانياً ــ توجهات وصلات الشخصيات الدولية، التي دخلت على ملف التسوية في أوسلو وبعدها، بما فيهم توني بلير، رئيس الرباعية الدولية، لنكتشف دون عناء أنهم من مدرسة بيريز.
إذا ما نظرنا إلى النتائج، فإنها لا تساوي شيئاً على الإطلاق، حركة في المكان ولا شيء يتحرك.
وأرجو أن نتذكر ــ ثالثاً ــ أنّ المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية، بدأت تقريباً بذات توقيت مفاوضات إنهاء الحكم العنصري في جنوب أفريقيا بعد تحطم سور برلين. ضغطت الأزمتان على الحقائق الجديدة في العالم، وبدا أن هناك توجهاً غالباً لإنهاء النزاعين التاريخيين.
لماذا نجح القادة الأفارقة فيما فشلنا فيه؟
لم يكن نيلسون مانديلا، أبرز وأهم قادة حزب «المؤتمر الوطني الأفريقي»، لكنه لخص بصموده في سجنه الطويل الذي امتد إلى سبع وعشرين سنة رمزية ملهمة لقضية مواطنيه السود. كان هناك كثيرون غيره صمدوا خلف جدران السجون، جرى اختياره من بين ثلاثة، رمزاً لحملة دولية تطرح قضية الفصل العنصري على الضمير الإنساني. نجحت الحملة وارتفع مانديلا إلى مستوى قضيته، تفاوض من خلف جدران سجنه على إنهاء الحكم العنصري، وعندما أفرج عنه تراجع رفاقه خطوات إلى الخلف، اختاروه نائباً لرئيس «المؤتمر الوطني الأفريقي»، ثم رئيساً له وأول رئيس أسود للجمهورية. كانت القضية أهم من الرجال.
تلك الأثرة مكنت الأفارقة من حيازة السلطة السياسية في صفقة أبقت المقادير الاقتصادية في يد البيض. لم تكن تلك الصفقة عادلة تماماً ولكنها سمحت للسود أن ينهوا حكماً عنصرياً بشعاً، بأي معايير إنسانية.
لم يحدث شيء من ذلك في الصفقة التي عقدت في أوسلو. كانت أول علامات الضعف في الأداء الفلسطيني، من يفاوض.
بدأت المفاوضات في مدريد، قادها الدكتور حيدر عبدالشافي، قبل أن يسارع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، إلى فتح قناة سرية بـ«أوسلو»، توصل عبرها إلى اتفاقية مع إسرائيل انطوت على تنازلات أكبر مما كان مطروحاً فوق الموائد الرسمية.
لم يكن أحد ينازع عرفات على قيادة المنظمة، لكن المخاوف استبدت بأصحابها وجرى ما جرى في أوسلو. كانت النتائج كارثية في نهاية المطاف ــ سلطة فلسطينية منزوعة الصلاحية واحتلال منخفض التكاليف الأمنية.
المشكلة الآن أفدح، فمنظمة التحرير الفلسطينية لم يعد منها سوى اسمها، والانقسام الداخلي أخذ من أعدل القضايا الحد الأدنى من التماسك والاحترام، والنظم العربية باختلافاتها لا تعنيها كثيراً بقدر قلقها على مستقبلها عند رسم الخرائط الجديدة في الإقليم بعد انتهاء الحرب على «داعش».
من يتحدث إذن باسم الفلسطينيين؟ وعن أي سلام يتحدث؟... وما المقابل الذي يمكنه من أن يمرر أي صفقة محتملة؟ تلك أسئلة ملغمة لا مفر من مواجهتها.
هناك خشية حقيقية من أن تكون الصفقة دمجاً مجانياً استراتيجياً واقتصادياً لإسرائيل في الإقليم، فلا انسحاب من الأراضي المحتلة ولا توقف عن بناء المستوطنات وتهويد القدس، ولا سلطة فلسطينية لها الحد الأدنى من السيادة.
أخطر ما يقال لتبرير مثل ذلك الدمج أن «الحرب على داعش» تتطلب توحيد الصفوف العربية مع إسرائيل. مثل تلك الرهانات سوف تفضي إلى فوضى عارمة في الإقليم، تهون بجوارها حمامات الدم الحالية.
لا يمكن أن يستقر حال على قهر ينسف أي حق فلسطيني ويستخف بأي أمن قومي. ومسألة الأمن القومي حاسمة أياً كانت درجة الانكشاف الحالية للعالم العربي.
لم تكن مصادفة توقيت تزامن مباحثات واشنطن، التي تمهد أميركياً لشيء ما لم تتضح معالمه الرئيسية في القضية الفلسطينية، ورفع العلم الكردي على المباني الحكومية في كركوك العراقية الغنية بالنفط، في خطوة تمهّد لاستفتاء يضمها إلى إقليم كردستان.
التزامن يشير إلى أوضاع جديدة محتملة تتغير بمقتضاها موازين القوى في الإقليم، دويلات تنشأ بعمليات جراحية على الخرائط، وصراعات مسلحة تعقبها حتى لا تتوحد الدويلتان الكرديتان، غير المستبعدة في سوريا والمتغوّلة على العراق بما يهدد بنية الدولة التركية، ودمج إسرائيل في أي نظام إقليمي ينشأ على أنقاض الجامعة العربية ينفي عن القضية الفلسطينية مركزيتها وحقوقها العادلة.
مما هو مطروح الآن، إجراء تعديلات جراحية على المبادرة العربية، التي تقضي بالتطبيع الكامل في مقابل الانسحاب الشامل من الأراضي المحتلة منذ عام ١٩٦٧، وفق الملاحظات الإسرائيلية عليها دون أي التزامات مقابلة تقتضيها أي صفقة ــ حتى بالمعنى التجاري! هل بمقدور أحد أن يتحمل مسؤولية صفقة من هذا النوع؟
لا توجد حجة واحدة يمكنها أن تدّعي أن هناك شريكاً إسرائيلياً في أي صفقة سلام ممكنة إلا أن تكون استسلاماً كاملاً.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نفسه، يكاد يتماهى مع اليمين الإسرائيلي في أشد صوره تشدداً وتعنتاً، وهو ما قد يعني ضغوطاً متواصلة على الطرف الأضعف للوصول إلى «السلام المجاني»، وهو نوع من الوهم لا سبيل أن يقف على أرض.