ضربة صاروخية أميركية واحدة على سوريا نجحت بترقية دونالد ترامب أمس من «النازي الخطير» إلى ملك «الإحساس». لم يتطلّب الأمر سوى هجمة عسكرية على مطار تابع للجيش السوري لتتحوّل صورة الرئيس الأميركي في الإعلام الغربي السائد من «مهرّج فاقد صوابه» على مدى نحو ستّة أشهر، إلى «رئيس مسؤول وصاحب استراتيجية».


يوم أمس، «بفضل» 59 صاروخاً، عاد الإعلام إلى كنف نظامه، واسترجع الكتّاب المفتونون بالحروب ــ وهم عصب أبرز الصحف والمحطات التلفزيونية الإخبارية الغربية ــ أدبيات تبرير المعارك وفتاوى تحليلها. أمس فقط، اعترف الإعلام الأميركي بأنَّ مَن يدير البلاد هو الرئيس دونالد ترامب وليس الـ«ماتشو» ذو الشعر الذهبي «المتحرّش بالنساء» «دمية الرئيس فلاديمير بوتين».
بين تصريح الرئيس الأميركي المندّد بالهجوم الكيميائي في ريف إدلب يوم الأربعاء 5 نيسان الثامنة مساءً بتوقيت دمشق، والهجوم الصاروخي على ريف حمص في 7 نيسان الرابعة فجراً، يومٌ وليلة. فترة زمنية خيالية في مقياس سرعة تبدّل المواقف الإعلامية تجاه شخص وقضية، لكن هذا ما حصل بين الإعلام الغربي السائد وترامب في يوم وليلة. ما الذي جرى؟
في تصريح الأربعاء، بعد لقائه بملك الأردن، ندّد ترامب بالهجوم «الشنيع الذي لا يغتفر» في ريف إدلب، كاشفاً أن «موقفه من سوريا والنظام السوري تغيّر كثيراً». كلام الرئيس حينها المرفق بعواطف إنسانية جيّاشة مفاجئة تجاه الأطفال والنساء السوريين الذين قتلوا في الهجوم الكيميائي، فاجأ الإعلاميين، لكنهم شكّكوا بفعاليته. إذ بنظرهم، وحسب تصرّفاتهم وأقوالهم منذ الحملة الرئاسية وبعد التنصيب، أي كلام يصدر عن ترامب هو إما تهريج لا يعوَّل عليه، أو غير أخلاقي يستدعي التبرّؤ منه. وفي السياسة الخارجية بدا الصحافيون حائرين حول مواقف ترامب، وكانوا يسوّقون بنحو كثيف منذ أشهر لفكرة أن السياسة الخارجية في عهد ترامب هي «بيد موسكو» وأن استراتيجية البيت الأبيض في سوريا تحديداً ستكون «كارثية»، لأن «ترامب سيتحالف مع بوتين لضرب الإرهاب».


تحوّلت صورة الرئيس من «مهرّج فاقد صوابه» إلى «صاحب استراتيجية»

خرج ترامب الأربعاء الماضي وقال إنه «يتغيّر» وإنه «شخص مَرِن» لكن الإعلاميين ظلّوا في حالة إنكار، فعبّر البعض مباشرة عن «خشية» بأن يكون تصريح ترامب «مجرد ردّ فعل غريزية سريعة غير مبينة على خطة استراتيجية طويلة الأمد». وآخرون نبّهوا من «الانقلاب الفوري 180 درجة في مواقف ترامب» («شيكاغو تريبيون»، «إي بي سي نيوز»)، فـ«هل يمكن أن يستيقظ حسّ المسؤولية الأخلاقية عند مَن بدا غير مكترث باللاجئين السوريين؟»، و«هل يمكن أن يتخلّى بهذه السرعة عن شعاره الانتخابي «أميركا أوّلاً»؟!». البعض ذهب أيضاً، إلى حدّ اتهام وزير الخارجية وسفير واشنطن في الأمم المتحدة بأن «أقوالهما بأن الشعب السوري هو الذي يقرر مصير رئيسه، وأن إزاحة الأسد لم تعد أولوية واشنطن» هي التي «منحت الأسد الثقة بتنفيذ الهجوم الكيميائي» (توماس فريدمان ـ «نيويورك تايمز» وديفيد إغناتيوس ـ «واشنطن بوست»). حتى أبرز المقالات التحليلية، لم تكن تؤمن بأنّ ترامب قد يقدم على أي خطوة حاسمة في سوريا، وحتى «حربه على الإرهاب» التي ترافقت مع عمليات مكثّفة في الشمال السوري لم تلقَ ترحيباً أو اهتماماً كثيفاً، فوصف بعض المحللين ترامب مثلاً بـ«الساذج الذي يظن أن بإمكانه القضاء على داعش بإسقاط عدد أكبر من القنابل عليهم، من دون حلّ سياسي». قبل أيام فقط من الضربة الأميركية على سوريا، استنتجت أبرز المقالات التحليلية الأميركية أنه ليس أمام ترامب سوى اعتماد «حلول واقعية» مثل «السعي الى وقف إطلاق النار في سوريا تمهيداً لاتفاق سلام، بالتنسيق مع روسيا وإيران» («فورين بوليسي»).
لكن سحر الصواريخ فعل فعله بين ليلة وضحاها، وبدا بعض الإعلام الغربي السائد أمس كمن لم يستفق بعد من صدمة إيجابية انتظرها منذ 6 سنوات. «قلب ترامب يتغيّر تجاه سوريا»، «صحيح أن ترامب كانت لديه تصريحات سابقة مغايرة لما فعل أخيراً... لكن حجم المنصب يغيّر الناس... هناك فرق كبير بين أن تكون مواطناً عادياً وأن تكون رئيساً للولايات المتحدة» (سي إن إن)، «يبدو أن المسافة العاطفية (مع ترامب) حطّمتها صور بسيطة لمعاناة أطفال إدلب» (دايفد إغناتيوس ـ واشنطن بوست)، «الناس (في سوريا) مسرورون» (فوكس نيوز)... أما افتتاحية صحيفة «ذي واشنطن بوست» (التي تدعو منذ عهد باراك أوباما إلى شنّ حرب على سوريا) فربما تلخّص الجزء الأكبر من المشهد الإعلامي الأميركي المتغيّر فجأة، فهي دعت القرّاء والمواطنين إلى أن «يضعوا جانباً» ما كان ترامب يردده في السابق حول معارضته التدخل العسكري في سوريا، أي أن الصحيفة العريقة دعت إلى تجاهل جزء جوهري من مواقف ترامب التي بنت عليها هي حملتها السابقة ضده! ها هي افتتاحية «واشنطن بوست» تصفّق أمس لرئيس «كان على قدر الكلام الذي أطلقه» فَـ«ضرب سوريا بالكلام والصواريخ».
تجدر الإشارة إلى أن بعض الإعلام الأميركي المرئي والمكتوب، لم يحتفل بالرئيس وخطوته، بل شكك قائلاً: «لا نعرف فعلياً لماذا غيّر ترامب رأيه فجأة؟ من غيّر رأيه؟ ما السياسة التي سيعتمدها في المستقبل؟ بتنا لا نعرف مطلقاً إذا أو متى يمكننا أخذ كلام رئيسنا على محمل الجد، كذلك فإننا لسنا واثقين من أن سياسة ترامب الخارجية اليوم ستشبه سياسة الغد».




«هدوء» فرنسي وبريطاني

الإعلام البريطاني بدا، بمعظمه، أهدأ من الأميركي بشأن الضربة على سوريا، فحاولت معظم المقالات أن تقول إن ما أقدم عليه ترامب «لا يعني تغييراً جذرياً في سياسته تجاه سوريا، بل هو مجرد ردّ عقابي لا أكثر» («إندبندنت» و«غارديان»)، وإنه «يجب التركيز الآن على ما سيلي الضربة، وهذا الأمر يبقى بيد روسيا والأسد».
الإعلام الفرنسي المشغول بالحملة الرئاسية الفرنسية، ركّز على مواقف المرشّحين أكثر من تبعات الضربة ومعانيها. «لو موند» اهتمت بالبعد الدبلوماسي وتأثير الضربة الأميركية على العلاقات الروسية الأميركية التي كانت تتجه إلى التقارب، فيما قال أحد الباحثين لصحيفة «ليبراسيون»، إن «الولايات المتحدة عادت... لكن على طريقة ترامب»، ما يعني، أنه «يجب أن نبقى حذرين».