كانوا قلّة، في عام 1983. واغتيال بشير الجميِّل في العام السابق، لم يثنِ أتباع المشروع الإسرائيلي ــ الأميركي عن المضي في خياره. على العكس من ذلك، خيّر ورثة بشير المقاومين بين الاستسلام أو الرحيل. وأتى العالم كله.


حلف شمال الأطلسي بكل جنسياته. المارينز هنا، ومعهم كل التابعين. لم تكن سوريا قد شُفِيت من حرب الإخوان المسلمين (والذين يقفون خلفهم)، ولا تعافَت من ندوب الحرب الإسرائيلية الأميركية في لبنان في العام السابق. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد خرجت مهزومة من بيروت. وجيش الاحتلال الصهيوني لا يزال يحتل كامل الجنوب، وسلّم المناطق التي انسحب منها إلى ميليشياته. وكان الحكم حكم أمين الجميِّل. وكانت إيران محاصرة، ومدنها تُقصَف بالصواريخ والكيماوي. وكان صدّام يُمسك العراق وجيوشه الجرّارة بقبضة من فولاذ. وخلفه أميركا وعرب أميركا، ونفطهم وملياراتهم وكل أدوات دعايتهم الطائفية. وكانت السعودية تلبّي نداء الجهاد الأميركي، ومعها حسني مبارك، لترعى براعم «داعش» في أفغانستان الأولى. وكانت ملامح الترنّح قد بدأت تظهر على جسد الاتحاد السوفياتي. كانوا وحدهم. لم يكن معهم سوى الإمام روح الله الخميني والرئيس حافظ الأسد، المحاصَرين. لكن، بميزان العالم، كانوا وحدهم. فتية يخشون عيون الأقربين قبل الأعداء. وحدهم يرفضون أن ينام العالم بكل ثقله فوق أجسادنا، فكان لهم ما أرادوا في اليوم الكبير: 23 تشرين الأول 1983.
اليوم، لا تزال سوريا تدفع ثمن الموقف. فيما خرقت إيران جزءاً من حصارها. ولم يعد العراق بيد صدّام. صحيح أن أميركا فيه، لكن فيه أيضاً أولئك الذين هزموها. عرب الخليج لم يتغيّروا. أما إسرائيل، من الجبهة اللبنانية، فتراجعت إلى ما بعد حدود فلسطين. وفي العالم، لم نعد وحدنا. قبل 34 عاماً، كانوا قلة ضعفاء، وهزموا أميركا ومعها كل قوات الأطلسي. ليس العدوّ الأميركي اليوم أقوى مما كان عليه في لبنان 1983، وفي العراق 2003. الفارق أنَّ صوت المرتزقة صار مسموعاً أكثر من ذي قبل. وكما قبل ثلاثة عقود، كذلك اليوم: ليس عاراً أن تعتدي عليهم أميركا. ولا الذل يلبس من يعجز عن مواجهة أكبر قوة عسكرية شهدها التاريخ، بأدواتها هي. على العكس من ذلك، يكفيهم فخراً أنهم واجهوا، وما زالوا في المواجهة.
ما عادوا قلة. وثمة جيلان منّا لم يعايشا أي هزيمة، باستثناء تلك التي ألحقوها بالصهاينة والأميركيين. ولا صنعة لهؤلاء سوى الحرب. فليأتِ ترامب. فليأتِ من يشاء.