رغم الفرحة العارمة التي اجتاحت مؤسسة القرار السياسي والأمني في تل أبيب، نتيجة العدوان الأميركي على القاعدة الجوية السورية، إلا أن إسرائيل تدرك أنّ نتائجه العسكرية كانت محدودة، ولن تؤثر بذاتها على موازين القوى وعلى المجريات الميدانية.


ومع توالي المواقف الإقليمية في موسكو وطهران ودمشق، بات واضحاً أن من غير المتوقع أن يترك هذا العدوان المحدود في بعده العسكري، والمفتوح بأبعاده السياسية، أي مفاعيل استراتيجية بالمستوى الذي تأمله تل أبيب. من أجل ذلك، لم تكتف إسرائيل بالقنوات الرسمية مع واشنطن، للتعبير عن رؤيتها وموقفها في هذا المجال، بل بادر وزير الطاقة وعضو المجلس الوزاري المصغر يوفال شطاينتس، إلى الاعلان الصريح عن أن «رسالة واحدة لا تغير الصورة العامة الاستراتيجية» مع أن الهجوم الأميركي كان «خطوة هامة». وحدد شطاينتس أفق المصلحة الإسرائيلية في هذا السياق، بالقول إنه «في النهاية، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا تقرران معاً ما الذي ينبغي فعله مع سوريا، وما لا ينبغي فعله. واضح ما الذي ينبغي عدم فعله وهو: لا لوجود إيراني هناك، لا لتطوير سلاح كيميائي ولا لتطوير صواريخ باليستية».


إذا بقي الهجوم الأميركي موضعياً فلن يغير مسار الحرب السورية

أما بخصوص المدخل إلى هذه الترتيبات التي تدفع نحوها إسرائيل، فقد حددها رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو خلال جلسة الحكومة بالدعوة إلى «استكمال مهمة إخراج كل السلاح الكيميائي من سوريا»، لافتاً إلى وجود «فرصة للتعاون الأميركي الروسي في هذا المجال». وتأتي دعوة نتنياهو هذه رغم إعلان الأمم المتحدة في عام 2013، أن سوريا باتت خالية من الأسلحة الكيميائية ومن أي مصانع تنتجها. لكن شطاينتس، حدد بأنه ما زال هناك ما نسبته «1%» من القدرات الكيميائية السورية. هذا مع الإشارة إلى أن كلام نتنياهو وشطاينتس يعكسان تقويماً إسرائيلياً عن أن الولايات المتحدة ليست قادرة على التفرد من جانب واحد بالمسارات على الساحة السورية. ونتيجة ذلك، برز في كلامهما الدعوة إلى تعاون أميركي ـــ روسي، وأنهما معاً يحددان ما يجري على الساحة السورية.
لم تنبع الدعوات الرسمية الإسرائيلية من فراغ، بل يبدو أنها انطلقت من تقديرات ومخاوف عبّر عنها شطاينتس (رسالة واحدة لا تكفي)، وبعض الخبراء والمعلقين، إذ اعتبر الخبير بالشؤون السورية ايال زيسر أنه «إذا بقي هذا الهجوم معزولاً وموضعياً، فإنه لن يحقق التغيير في مسار الحرب السورية»، موضحاً أنه «يمكن لـ(الرئيس) بشار (الأسد) بسهولة استيعاب الهجوم الأميركي. فقد خسر خلال سنوات الحرب الكثير من المطارات لمصلحة المتمردين...». وبالنتيجة، أضاف زيسر ان «الهجوم الأميركي (بالمقدار الذي حصل) بالنسبة إلى الرئيس الأسد هو بمثابة ضربة أخرى في الجناح، ويمكنه التعايش معها والبقاء».
في الإطار نفسه، اعتبر معلق الشؤون العربية في صحيفة «هآرتس»، تسفي برئيل أن «ترامب فاجأ الجميع كعادته... وسبق الرد العسكري انقلاب سياسي، حين أعلن أن الأسد لا يمكن أن يكون جزءاً من الحل. وهذا فقط بعد أيام عدة من تصريح سفيرته في الأمم المتحدة بأن إسقاط الأسد ليس أولوية أميركية». وأشار إلى أن «الولايات المتحدة لن ترجع لتكون لاعباً قوياً في الحرب السورية، إلا إذا قرر ترامب مفاجأة الجميع مرة أخرى». ولفت أيضاً إلى أن «الإنجاز الفوري والمهم من ناحية ترامب هو سياسي أميركي. وهو أثبت للجمهور الأميركي بأن الولايات المتحدة ليست أرنباً خائفاً».

قلق إسرائيلي على التنسيق الجوي مع الجيش الروسي

في سياق متصل، حضرت مخاوف إسرائيلية من نوع آخر، نتجت من القرار الروسي بوقف التنسيق الجوي مع الولايات المتحدة. ورأى هرئيل أنّه «ليس من الواضح بعد ما إذا كان تعليق التنسيق هذا سيشمل إسرائيل، رغم أنه ليس جزءاً من التفاهمات مع الولايات المتحدة. لكن من المحتمل، أن بوتين الذي غضب من تصريحات نتنياهو ضد الأسد سيرغب في الإثبات لترامب بأنه سيكون للمسّ بحليف روسيا أبعاد على حلفاء الولايات المتحدة، ولذلك قد يجمد أو يلغي التفاهمات مع إسرائيل. وإذا كانت هذه هي النتيجة، يعني ذلك أن الحرب في سوريا ستضع إسرائيل على خط النار السياسي وليس العسكري فقط، حين تجد نفسها في تناقض للمصالح بين سياسة ترامب وحاجتها إلى مواصلة التنسيق مع روسيا».
في الإطار نفسه، حذَّر يوني بن مناحيم، المختص بالشؤون العربية، من تداعيات إعلان روسيا تعزيز سوريا بمنظومات دفاع جوي، ورأى أن ذلك «من شأنه أن يكون له انعكاسات خطيرة على إسرائيل في حال حصول سوريا على منظومات دفاع جوي، من طراز (أس ــ 400)، والتي ستعرّض سلاح الجو الإسرائيلي للخطر». وأضاف بن مناحيم، «ليس واضحاً كيف ستتأثر التفاهمات الإسرائيلية – الروسية، بشأن التحليق في المجال الجوي السوري»، مشيراً إلى أن تعليق التفاهمات بين موسكو وواشنطن، بشأن الطيران في المجال الجوي السوري، هو سابقة خطيرة. ولفت أيضاً إلى خطورة المؤشرات التي ينطوي عليها توبيخ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرئيس الحكومة الإسرائيلية، على خلفية اتخاذه موقفاً مسانداً للموقف الأميركي مما جرى في إدلب، من دون انتظار تحقيق دولي، معتبراً أن ذلك «يثير القلق تجاه استمرار التنسيق العسكري بين إسرائيل وروسيا بشأن الوضع في سوريا، ومطالبة إسرائيل روسيا بأن لا تسمح لإيران بالسيطرة في سوريا».
إلى ذلك، حذّر معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، من أن يدفع العدوان الأميركي الرئيس الأسد «إلى خطوة متسرعة... لذلك فإن كل عمل ستقوم به إسرائيل خلال الفترة القريبة على الحدود الشمالية سيأخذ في الاعتبار أن الرئيس الأسد سيحاول إنقاذ كرامته. يبدو أن هذا هو سبب منع النشاط الجوي والمدني والرياضي في منطقة الجولان وغور الأردن خلال عيد الفصح – عدم توفير فرصة للرئيس السوري لإطلاق النار على طائرات إسرائيلية». وختم فيشمان بالقول «السؤال الكبير (الذي يبقى) هل سيكون هناك استمرار لهذا الإصرار الأميركي في سوريا، وكيف سيرد ترامب إذا واصل الأسد تحديه».