الجزائر | أظهر الأسبوع الأول للحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية في الجزائر عدداً من الغرائب التي توقف عندها الجزائريون طويلاً، في ظلّ ما يعتبرونه هزال البرامج السياسية المقدمة من قبل الأحزاب المشاركة. وفي أبرز ما لفت الانتباه، ظاهرة ترشح نساء على قوائم أحزاب سياسية، دون إظهار وجوههن الحقيقية على الملصقات الدعائية، حيث رفضت تلك النسوة نشر صورهن، وخصصت بدلاً منها رسوماً تبرز ملامح أنثى مع كتابة الاسم تحتها.


ورُصدت هذه الظاهرة على قوائم العديد من الأحزاب السياسية، على غرار «العدل والبيان» ذي التوجه الإسلامي، و«الجبهة الوطنية الجزائرية» صاحبة التوجه الوطني، و«حركة الانفتاح» حديثة النشأة، وغيرها من الأحزاب التي يفوق عددها 60 في الجزائر. وانتشرت الملصقات التي تحمل مرشحات مخفيات الوجوه، في الولايات الجنوبية على وجه الخصوص، مثل غرداية وأدرار، وامتدت الظاهرة لتصل حتى إلى بعض الولايات الشمالية، مثل بومرداس، ولكن على نطاق محدود.
وأمام غرابة الظاهرة، بررت رئيسة «حزب العدل والبيان» نعيمة صالحي، في دفاعها عن قوائم حزبها، هذه الظاهرة بوجود «نزعة ذكورية» في المجتمع تجعل من هؤلاء النساء المترشحات يتحفظن على إظهار وجوههن. وقالت إن الأمر يبقى منتشراً على نطاق محدود في مناطق معروفة بنزعتها المحافظة، ولا ينبغي أن يُعمم للقول إنّ المرأة السياسية في الجزائر، ليس لها حضور في الانتخابات، لأن الواقع يشير، وفقها، إلى أن عدد النساء في المجالس المحلية والوطنية المنتخبة قد تضاعف من حيث الحجم والتأثير.
وأوضحت صالحي، وهي سياسية تثير غالباً الجدل بتصريحاتها، أنها ترفض من حيث المبدأ ترشح نساء دون إظهار وجوههن في القوائم، مستدركة أنها لو كانت تعلم بالحالات التي ترشحت في حزبها لكانت اتخذت إجراءات قبل الوصول إلى مرحلة اعتماد القوائم والبدء رسمياً في الدعاية لها عبر الملصقات. وأبرزت أن المنطق لا يستقيم أبداً بين أن تترشح امرأة للبرلمان لتمثل مواطنين وتحمل انشغالاتهم، وبين أن تكون مختفية لا يعلم لها صورة، واستغربت كيف أن المرأة في الجزائر تستطيع العمل والتسوق بوجه مكشوف، بينما تخشى من إظهار صورتها إذا ترشحت للانتخابات.
وحول من يتحمل أسباب ظهور مثل هؤلاء المترشحات مخفيات الوجوه، تقول فطة سادات، متصدرة قائمة النساء في «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» (حزب علماني التوجه) بالعاصمة، إن المسؤولية «تقع على عاتق الدولة» التي يجب عليها أن تفرض المساواة بين كل المترشحين، وهو ما يجعل أمر إخفاء الوجه مخالفاً للقانون. وأوضحت في تصريح لـ«الأخبار» أن الأمر يتعلق بذهنيات في المجتمع وحتى لدى المسؤولين «يجب أن تتغير تجاه المرأة» بما يسمح لها باكتساب ثقتها في نفسها واقتحام عالم السياسة دون عقدة، «شأنها في ذلك شأن الرجل».
في المقابل، يعتقد ناصر حمدادوش، مرشح تحالف «حركة مجتمع السلم» ذي التوجه «الإخواني»، بأن هناك «ظاهرة» موجودة في كل القوائم الانتخابية لجميع الأحزاب، وهي تخضع لـ«سلطان العُرف وليس للخلفية الفكرية» الحزب. وفقاً له، فإن هذا الأمر «لا يشكّل إحراجاً لدى الناخب ما دامت تلك النساء معروفات لديه من حيث الهوية المجتمعية والسياسية، ومن حيث الكفاءة والأهلية».
وفي مجموع المترشحات للانتخابات التشريعية، قدمت نحو 4 آلاف امرأة ملف ترشحها، أي ما يعادل ثلث من تقدموا لهذا الاستحقاق والبالغ عددهم أكثر من 12 ألف مترشح، بحسب أرقام وزارة الداخلية. وتعود هذه المشاركة التي تبدو قوية من العنصر النسوي، إلى ثمار قانون «توسيع مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة» الذي وضعته السلطات الجزائرية في عام 2012، وهو قانون فرض حصة ما بين 20 و50 في المئة من المقاعد في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) لفئة النساء.
وأدى تطبيق هذا القانون إلى وصول 145 امرأة للبرلمان الجزائري في انتخابات 2012، وذلك من مجموع 462 مقعداً. غير أن انتقادات كبيرة وُجّهت لهذا القانون، بسبب «ضعف انخراط المرأة في الحياة السياسية»، ما أدى إلى ظهور برلمانيات «لم يسبق لهن أن سجلن تجربة سياسية في حياتهن»، أو أخريات صاحبات مستوى تعليمي محدود اضطرت الأحزاب لإدراجهن في القوائم لغرض الاستجابة للقانون.
من جهة أخرى، فعلى الرغم من ضعف انخراط المرأة في الحياة السياسية في الجزائر، وهو إشكال لا ينفصل عن فتور الجزائريين عامة تجاه كل ما يتصل بالسياسة، فلا بد من الإشارة إلى أنّ المرأة في الجزائر كانت لها مساهمات قوية في الحياة العامة، خاصة في فترة الاستعمار الفرنسي، حيث ناضلت الآلاف في صفوف حركة التحرر الوطني، وعرف لبعضهن مساهمات نوعية، مثل جميلة بوحيرد، وزهرة ظريف بيطط، والشهيدة حسيبة بن بوعلي. واليوم، تعرف الجزائر صعوداً لافتاً للنساء في مراكز المسؤولية، إذ توجد 3 وزيرات في الطاقم الحكومي، كما تتصدر عدة سيدات هيئات رسمية وجمعيات مؤثرة في المجتمع.